الصفحة 18 من 20

وذَاكَ أَهْيَبُ عِندِي إِذْ يُكلِّمُنِي ... وقِيلَ: إِنَّكَ مَنْسُوبٌ ومَسْئُولُ

مِن خَادِرٍ مِن لُيُوثِ الأُسْدِ مَسْكَنُهُ ... ببَطْنِ عَثَّرَ غِيلٌ دُونَهُ غِيلُ

ويُرْوَى:"لَذَاكَ أَهْيَبُ عِنْدِي إِذْ أُكَلِّمُهُ". وذَاكَ إِشَارَةٌ إِلَى الرَّسُولِ,"وإِذْ يُكَلِّمُنِي"حَالٌ مُؤَكَّدَةٌ,"وقِيلَ إِنَّكَ"، أي: هو أَهْيَبُ عِنْدِي مُكَلَّمًا ومَنْسُوبًا ومَسْئولًا؛ لأَنَّهُ مَثَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ مُتَوَقِّعًا أنْ يُكَلِّمَهُ وأَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ نَفْسِه وحَالِه، ويَجُوزُ أَنْ يَكُونَ"وقِيلَ"مِن جُمْلَةِ حَدِيثِ الوُشَاةِ, كأَنَّهُم قَالُوا لَهُ: إِنَّكَ إِذَا مَثَلْتَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ نَسَبَكَ وسَأَلَكَ، فتَكُونُ"إِذْ أُكَلِّمُهُ"حَالًا مِن"أَهْيَبُ".

وقِيلَ حَالٌ مِن"أُكَلِّمُهُ"أي: أُكَلِّمُهُ فِي حَالِ مَا قِيلَ لِي كَيْتَ وكَيْتَ, وخُوِّفْتُ."مِن خَادِرٍ"يَتَعَلَّقُ بـ"أَهْيَبُ", و"مِنَ الأُسْدِ"غَايَةٌ. وقَوْلُه:"مِن لُيُوثِ الأُسْدِ"كأَنَّهُ قَالَ: مِن أَشَدِّ الأُسُودِ, ومِن هَذِهِ للتَّبْعِيضِ. والخَادِرُ: الدَّاخِلُ في الخِدْرِ, وهِيَ الأَجَمَةُ، يُقَالُ خَدَرَ وأَخْدَرَ فَهُو خَادِرٌ ومُخْدِرٌ. و"مَسْكَنُهُ غِيلٌ"جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ. والغِيلُ: مَوْضِعُ الأَسَدِ. وأَصْلُ الغِيلِ: الشَّجَرُ المُلْتَفُّ. يُقَالُ مِنْهُ تَغَيَّلَ الشَّجَرُ. و"دُونَهُ غِيلُ"جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ صِفَةٌ لـ"غِيلٌ"الأَوَّلِ، كأَنَّهُ فِي أَجْمَةٍ دَاخِلَ أَجَمَةٍ، وذَلِكَ أَشَدُّ لوَحْشِيَّتِه وقَسَاوَتِه, وهَذَا الغِيلُ"ببَطْنِ عَثَّرَ"وهو اسْمُ مَكَانِ مَأْسَدَةٍ، ولَيْسَ في الأَسْمَاءِ مَا جَاءَ عَلَى"فَعَّلَ"إلاَّ بذَّرَ اسْمُ مَاءٍ، وعَثَّرَ، وبَقَّمَ للصِّبْغِ، وشَلَّمَ لبَيْتِ المَقْدِسِ، وخَضَّمَ مَكَانٌ أو مَاءٌ, ويُرْوَى"مِن بَطْنِ عَثَّرَ".

يَغْدُو فيَلْحَمُ ضِرْغَامَيْنِ عَيْشُهُمَا ... لَحْمٌ مِنَ القَوْمِ مَعْفُورٌ خَرَادِيلُ

يَصِفُ الأَسَدَ بالضَّرَاوَةِ والقَسْوَةِ. وقَوْلُه:"يَغْدُو"أي: يَذْهَبُ أَوَّلَ النَّهَارِ يَطْلُبُ صَيْدًا لشِبْلَيْهِ. وقَوْلُه"فيَلْحَمُ"أي: يُطْعِمُهُمَا لَحْمًا. ويُقَالُ: لَحَمْتُ الرَّجُلَ إِذَا أَطْعَمْتَهُ اللَّحْمَ. والأَصْمَعِيُّ يَقُولُ: أَلْحَمْتُ. والضِّرْغَامَانِ: أَسَدَانِ، ويُرِيدُ شِبْلَيْهِ. و"عَيْشُهُمَا لَحْمٌ"أي: قُوتُهُمَا لَحْمُ بَنِي آدَمَ.

مَعْفُورُ: أي مُتْرَبٌ، والعَفْرُ: التُّرَابُ. والخَرَادِيلُ: القِطَعُ. يُقَالُ: خَرْدَلْتُ اللَّحْمَ، خَرَادِلَ وخَرَادِيلَ أي: قِطَعًا. ومِنْهُ سُمِّيَ الخَرْدَلُ لِهَذَا الصِّبَاغِ؛ لأَنَّهُ يَقْطَعُ ويَجْلُو. ويُقَالُ: خَرْدَلْتُ اللَّحْمَ إِذَا قَطَّعْتَهُ بالدَّالِ والذَّالِ جَمِيعًا.

إِذَا يُساوِرُ قِرْنًا لا يَحِلُّ لَهُ ... أَنْ يَتْرُكَ القِرْنَ إِلاَّ وَهْوَ مَجْدُولُ

أي: إِذَا كَانَ يُسَاوِرُ. والمُسَاوَرَةُ: المُوَاثَبَةُ. والسَّوْرُ: الوَثْبُ. القِرْنُ: المُقَاوِمُ في حَرْبٍ أو عِلْمٍ. والقَرْنُ بالفَتْحِ: المُمَاثِلُ في السِّنِّ. والمَجْدُولُ: المُلْقَى بالجَدَالَةِ وهي وَجْهُ الأَرْضِ.

ويُرْوَى"مَفْلُولُ"أي: مَكْسُورٌ مَهْزُومٌ. وقَوْلُه:"لا يَحِلُّ لَهُ"مَعْنَاهُ لا يُفَارِقُه ولا يَخْلُصُ مِن يَدَيْهِ، فكأنَّ نَجَاتَهُ مِنْهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ؛ لأنَّه ظَفَرَ بقِرْنٍ حَرُمَ عَلَيْهِ تَرْكُه، يُرِيدُ شِدَّةَ بأْسِه."وهو مَجْدُولُ"جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الحَالِ.

مِنْهُ تَظَلُّ سِباعُ الجَوِّ ضَامِزَةً ... وَلاَ تُمَشِّي بوَادِيهِ الأَرَاجِيلُ

يَصِفُ الأَسَدَ بأَنَّ السِّبَاعَ تَخَافُهُ، والرِّجَالَ لا تَقْرُبُ مَكَانَهُ خِيفَةً مِنْهُ. والجَوُّ: مَا بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ. والجَوُّ: البَرُّ الوَاسِعُ. وضَامِزَةً: سَاكِتَةً مُمْسِكَةً: يُقَالُ: ضَمَزَ يَضْمِزُ ضَمْزًا وضُمُوزًا إِذَا سَكَتَ، وضَمَزَ البَعِيرُ: إِذَا امْتَنَعَ عَنِ الجِرَّةِ، وكُلُّ مَا سَكَتَ ضَامِزٌ وضَمُوزٌ.

ولا تُمَشِّي أي: لا تَمْشِي وشَدَّدَ للتَّكْثِيرِ. وسِبَاعُ الجَوِّ: قَدْ يُرِيدُ بها ذَوَاتِ الرِّيشِ, وقَدْ يُرِيدُ بِهَا ذَوَاتِ الأَرْبَعِ، فإِنْ أَرَادَ بِهَا الطَّيْرَ فَعَلَى وَجْهِ المُبَالَغَةِ. والأَرَاجِيلُ: جَمْعُ أَرْجَالٍ جَمْعِ رِجْلٍ, وكأَنَّهُ جَمَعَ الرِّجَّالَةَ، يُرِيدُ أَنَّ النَّاسَ لا يَتَحَامُونَ مَكَانَهُ، والسِّبَاعُ تَمْسِكُ خِيفَةً. ويُرْوَى:"مِنْهُ تَظَلُّ جَمِيعُ الوَحْشِ"، وذَكَرَ تُمَشِّي بلَفْظِ التَّكْثِيرِ؛ لأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ = وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت