الصفحة 17 من 20

لا تَأْخُذَّنِّي بأَقْوَالِ الوُشَاةِ وَلَمْ ... أُذْنِبْ، وَلَوْ كَثُرَتْ فِيَّ الأَقَاوِيلُ

"لا تَأْخُذَّنِّي"سُؤَالٌ وتَضَرُّعٌ فِي صُورَةِ النَّهْيِ، ووَكَّدَهَ بالنُّونِ؛ لأنَّهُ يَجرِي مَجْرَي النَّهْيِ، فإنَّ النَّهْيَ لِمَنْ هُوَ دُونَكَ، فإِنْ كَانَ لِمَنْ هُوَ مِثْلُكَ سُمِّيَ طَلَبًا والْتِمَاسًا، وإِنْ كَانَ لِمَنْ هُوَ فَوْقَكَ سُمِّيَ سُؤَالًا وتَضَرُّعًا ودُعَاءً.

وقَوْلُه:"لا تَأْخُذَّنِّي بأَقْوَالِ الوُشَاةِ". مَعْنَاهُ لا تَسْتَبِحْ دَمِي بأَقْوَالِ مَن يُزَوِّقُ الكَلامَ ويَقْصِدُ الإِفْسَادَ.

وقَوْلُه:"وَلَمْ أُذْنِبْ"تَنَصُّلٌ. والجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الحَالِ، وكَذَا"وَلَوْ كَثُرَتْ فِيَّ الأَقَاوِيلُ"يَعْنِي أَنَّ أَقَاوِيلَ الوُشَاةِ مَعَ كَثْرَتِهَا فإِنَّمَا هِيَ مُزَخْرَفَةٌ. والأَقَاوِيلُ: جَمْعُ أَقْوَالٍ. وجَوَابُ"لَوْ"مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ، والأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَعْنَى"لا تَأْخُذَّنِّي"أي: وَلَوْ كَثُرَتِ الأَقَاوِيلُ فإِنِّي غَيْرُ مُؤَاخَذٍ، أي: فإِنِّي ضَارِعٌ إِلَيْكَ أَلاَّ تُؤَاخِذَنِي، فامْتَنَعَتْ مُؤَاخَذَتُه لامْتِنَاعِ كَثْرَةِ الأَقَاوِيلِ. وفِي إِخْرَاجِ القَوْلِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ مَعَانٍ غَامِضَةٌ وأَغْرَاضٌ بَلاغِيَّةٌ لا يَلِيقُ التَّطْوِيلُ بِهَا.

إِنِّي أَقُومُ مَقَامًا لَوْ يَقُومُ بِهِ ... أَرَى وأَسْمَعُ مَا لَوْ يَسْمَعُ الفِيلُ

لَظَلَّ يُرْعَدُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ ... مِنَ الرَّسُولِ بإِذْنِ اللَّهِ تَنْوِيلُ

يَصِفُ شِدَّةَ مَا مَلَكَ قَلْبَهُ مِن الرُّعْبِ، ودَاخَلَهُ مِن الهَيْبَةِ والذُّعْرِ، يَقُولُ: أَنَا في مَقَامٍ وعلَى حَالٍ لَوْ عَرَضَتْ للفِيلِ لأَرْعَدَ خِيفَةً ومَهَابَةً. يُقَالُ: أَرْعَدَ الرَّجُلُ: إِذَا أَخَذَتْهُ الرِّعْدَةُ، وأَرْعَدَ إِذَا ارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ عِنْدَ الفَزَعِ. إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِن الرَّسُولِ أَمَانٌ بإِذْنِ اللَّهِ، يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ لا أَمْنَ إِلاَّ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ، ولا أَمْنَ للرَّسُولِ إِلاَّ بإِذْنِ اللَّهِ.

وأَقُومُ فِعْلُ حَالٍ. يَقُولُ: إِنِّي قَدْ قُمْتُ مَقَامًا لَوْ كَانَ بِهِ الفِيلُ لأُرْعَدَ، يَصِفُ جَلالَةَ المَقَامِ وهَيْبَةَ المَجْلِسِ."وأَرَى وأَسْمَعُ"حَالانِ مِن أَقُومُ أي: رَائِيًا فِيهِ وسَامِعًا فِيهِ لو قَامَهُ الفِيلُ وَلَوْ سَمِعَهُ الفِيلُ. و"مَا"نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ أو مَوْصُولَةٌ."ولَوْ يَسْمَعُ"صِفَتُهَا أو صِلَتُهَا، أي: شَيْئًا لَوْ سَمِعَهُ الفِيلُ أَوْ رَآهُ الفِيلُ لظَلَّ يُرْعَدُ. وفِي الكَلامِ مَحَاذِيفُ كَثِيرَةٌ، كأَنَّهُ يَقُولُ: أَرَى مَا لَوْ رَآهُ الفِيلُ [و أَسْمَعُ مَا لَوْ سَمِعَهُ الفِيلُ] لظَلَّ يُرْعَدُ، فاجْتَزَأَ بـ لَوْ وَاحِدَةٍ عَنِ اثْنَتَيْنِ، وجُعِلَ جَوَابًا لثَلاثِ"لَوَاتٍ"وَاحِدَةٌ مَحْذُوفَةٌ واثنتانِ مَلْفُوظٌ بِهِمَا.

والفِيلُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ"يَقُومُ"وفَاعِلُ"يَسْمَعُ"، ففَاعِلُ أَيِّهِمَا كَانَ فِي الآخِرِ ضَمِيرُه، ويَكُونُ هَذَا مِن بَابِ قَوْلِهِم: قَامَ وَقَعَدَ زَيْدٌ. والكُوفِيُّونَ يَرَوْنَ إِعْمَالَ الفِعْلِ الأَوَّلِ أَجْوَدَ، والبَصْرِيُّونَ يَرَوْنَ الأَجْوَدَ إِعْمَالَ الثَّانِي. وقَوْلُه:"إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ"اسْتِثْنَاءٌ مِن قَوْلِه:"لظَلَّ يُرْعَدُ"أي: إِنْ كَانَ لَهُ أَمَانٌ مِنَ الرَّسُولِ لَمْ يُرْعَدْ. و"بإِذْنِ اللَّهِ"يَتَعَلَّقُ بـ"تَنْوِيلُ", وهو مَصْدَرُ نَوَّلْتُه تَنْويلًا إِذَا أَعْطَيْتَهُ. والنَّوَالُ: العَطَاءُ، يُقَالُ: نِلْتُ لَهُ بالعَطِيَّةِ أَنُولُ نَوْلًا ونِلْتُهُ العَطِيَّةَ ونَوَّلْتُهُ أَعْطَيْتُه نَوَالًا. ويُرِيدُ بالعَطِيَّةِ الأَمَانَ واليَدَ.

حَتَّى وَضَعْتُ يَمِينِي لا أُنَازِعُهُ ... فِي كَفِّ ذِي نَقِمَاتٍ قِيلُهُ القِيلُ

لا أُنَازِعُه: لا أُجَاذِبُه. يَقُولُ: أَضَعُ يَمِينِي في كَفِّه وَضْعَ طَاعَةٍ لا وَضْعَ مُنَازَعَةٍ ومُجَاذَبَةٍ، ومَوْضِعُها النَّصْبُ عَلَى الحَالِ، وخَصَّ اليَمِينَ تَعْظِيمًا لشأنِ النَّبِيِّ عليه السلامُ؛ لأنَّها التي تُعْطَى في العُهُودِ وتُلْمَسُ بِهَا العُظَمَاءُ. وخَصَّ الكَفَّ؛ لأَنَّها المَوْصُوفَةُ بالجُودِ والبَذْلِ والمُشَبَّهَةُ بالبَحْرِ. والنَّقِمَاتُ: جَمْعُ نِقْمَةٍ, وهِيَ العُقُوبَةُ مُجَازَاةً، الانْتِقَامُ: التَّعْذِيبُ مُجَازَاةً بِمَا سَبَقَ مِن سُوءِ العَمَلِ واسْتِحْقَاقًا مَعَ القُدْرَةِ والمَعْدَلَةِ.

وقَوْلُه: ذِي نَقِمَاتٍ: أي ذِي قُدْرَةٍ عَلَى المُجَازَاةِ عَلَى الإِسَاءَةِ والاسْتِقْصَاءِ فِي ذَلِكَ بِحَقٍّ ومَعْدَلَةٍ.

"قِيلُه القِيلُ": أي: إِذَا قَالَ فَعَلَ, وَصَفَهُ بالمَقْدِرَةِ والتَّصْمِيمِ للعَهْدِ، أي: قَوْلُه القَوْلُ المُحَقَّقُ المُعْتَدُّ بِهِ الذي هو بِمَنْزِلَةِ الأَمْرِ الوَاقِعِ والخَبَرِ اليَقِينِ، وهِيَ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ في مَوْضِعِ الخَفْضِ صِفَةٌ"لذِي نَقِمَاتٍ". وحَتَّى: لانْتِهَاءِ الغَايَةِ، وابْتِدَاؤُهَا مِن كَوْنِه يُرْعَدُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت