يُرِيدُ الحَالَةَ بَعْدَ الحَالَةِ.
أُنْبِئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَوْعَدَنِي ... والعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَأْمُولُ
هَذَا هو الغَرَضُ المَقْصُودُ مِن هذه القَصِيدَةِ، وسَائِرُها مَقْصُودٌ لِهَذَا البَيْتِ، وهو الْتِماسُ العَفْوِ، ومَا أَحْسَنَ مَا أَعَادَ"رَسُولَ اللَّهِ"في البَيْتِ مَرَّتَيْنِ، وهَذَا بَلاغَةٌ فَائِقَةٌ، وفِي ذَلِكَ فَائِدَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ أَقَامَ المُظْهَرَ مُقَامَ المُضْمَرِ للتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، والآخَرُ: خَاصٌّ بِهَذَا المَوْضِعِ، وهو أَنَّ العَفْوَ مِن مَكَارِمِ الأَخْلاقِ ومِمَّا أُمِرَ بهِ رَسُولُ اللَّهِ -عليهِ السلامُ- في قَوْلِه تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بالعُرْفِ وأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ} فَفِي التَّصْرِيحِ بقَوْلِه:"عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ"تَحْقِيقٌ لرَجَاءِ العَفْوِ، وتَوْكِيدٌ للأَمَلِ، وتَنْبِيهٌ عَنِ العِلَّةِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: ولأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فأَنْتَ أَحَقُّ بأَنْ تَعْفُوَ وتَصْفَحَ. وفيه مَعْنًى آخَرُ لَطِيفٌ، وهو أَنَّ اعْتِرَافَهُ بأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِيمَانٌ وإِسْلامٌ، وهذا أَقْوَى مُجِيبٍ لاسْتِيجَابِ العَفْوِ وتَحْقِيقِ أَمَلِهِ مِنْهُ, وَقَالَ:"عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ"ولَمْ يَقُلْ"مِن رَسُولِ اللَّهِ"؛ لأنَّ"عِنْدَ"أَدَلُّ علَى التَّعْظِيمِ والرِّيَاسَةِ.
أَوْعَدَنِي: تَهَدَّدَنِي, و الإِيعَادُ خَاصٌّ بالشَّرِّ وهو الوَعِيدُ أيضًا: وأمَّا الوَعْدُ فيَكُونُ في الخَيْرِ والشَّرِّ جَمِيعًا. والوَعْدُ يَنْبَغِي أَنْ يُنْجَزَ, ويُذَمُّ فِي الإِخْلافِ، وأمَّا الوَعِيدُ فيُسْتَحَبُّ فيهِ الإِخْلافُ ويُسَمَّى العَفْوَ.
و"أُنْبِئْتُ"مِن الأَفْعَالِ التي تَتَعَدَّى إِلَى ثَلاثَةٍ ومَفْعُولَيْنِ تَقُولُ:"أَنْبَأَ اللَّهُ زَيْدًا رَسُولَ اللَّهِ مَوْعِدًا"، فَلَمَّا بَنَاهُ للمَفْعُولِ أَقَامَ زَيْدًا مُقَامَ الفَاعِلِ فرَفَعَهُ، وبَقِيَ المَفْعُولانِ بِحَالِهِمَا. وأَنَّ ومَعْمُولاهَا تَسُدُّ مَسَدَّ المَعْمُولَيْنِ؛ لأنَّهَا تَدْخُلُ عَلَى الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ التي تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ مَفْعُولَيْ"أُنْبِئْتُ". ودَخَلْتْ لتَوْكِيدِ الكَلامِ, وَمَا يَتَعَدَّى إِلَى ثَلاثَةِ مَفَاعِيلَ أَفْعَالٌ مَعْدُودَةٌ، ويَجُوزُ فِيهَا الاقْتِصَارُ عَلَى الأَوَّلِ ولا يَجُوزُ الاقْتِصَارُ عَلَى الثَّانِي ولا الثَّالِثِ؛ لأَنَّ أَحَدَهُمَا خَبَرٌ عَنِ الآخَرِ. ولا يَجُوزُ أَنْ يُقَدَّمَ الثَّانِي عَلَى الأَوَّلِ، ولا أَنْ يَقُومَ مَقَامَ الفَاعِلِ غَيْرُ الأَوَّلِ، فإِنَّ الأَوَّلَ فَاعِلٌ فِي المَعْنَى وأَمَّا الثَّانِي والثَّالِثُ فَفِي مَعْنَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ؛ لأَنَّهُمَا فِي الحَقِيقَِة جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ مُنْعَضدَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، ولذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يُوقَعَ مَكَانَهُمَا ذَلِكَ وتَدْخُلَ عَلَيْهِمَا أَنِ المَصْدَرِيَّةُ فتَسُدَّ مَسَدَّهُمَا؛ لأَنَّهُمَا هُمَا"كَذَا". ولَقَدْ تَعَسَّفَ مَن قَدَّرَ مَفْعولًا آخَرَ مَحْذوفًا، وجَعَلَ أَنَّ ومَا بَعْدَها فِي مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثَّانِي أَوِ الأَوَّلِ في بَابِ"ظَنَنْتُ"وكَادَ أَنْ يَكُونَ اسْتِقْصاؤُهُ مُفَارِقًا للصِّنَاعَةِ.
مَهْلًا هَدَاكَ الَّذِي أَعْطَاكَ نَافِلَةَ الْـ ... قُرْآنِ فِيهَا مَوَاعِيظٌ وتَفْصِيلُ
أَخَذَ يَسْتَعْطِفُهُ، قَوْلُه, ويُصَرِّحُ بنِعَمِ اللَّهِ عِنْدَه المُوجِبَةِ عليهِ الشُّكْرَ والعَفْوَ، ويُقِرُّ بنُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ، ويَعْتَرِفُ بالقُرْآنِ، ويَذْكُرُ مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِن الوَعْظِ وتَفْصِيلِ الحَلالِ والحَرَامِ، وفِي ذَلِكَ كُلِّه إِيمَانٌ منه بالنُّبُوَّةِ والقُرْآنِ، وارْتِجَازٌ منه بوَعْظِه، وانْتِهَاءٌ إِلَى أَمْرِه، وارْتِدَاعٌ عَنْ نَهْيِه، وإِقْرَارِه بحَلالَهِ وحَرَامِه. و"مَهْلًا"مَصْدَرٌ بمَعْنَى رِفْقًا، ووَصَلَهُ بالدُّعَاءِ لَهُ تَحَنُّنًا وتَعَطُّفًا وتَلَطُّفًا وتَحَبُّبًا، ودَعَا لَهُ بأَحَبِّ الأَشْيَاءِ إليه -عليهِ السَّلامُ- وجَمَعَ فِي الدُّعَاءِ لَهُ مَعَانِيَ كَثِيرَةً جَمَّةً لو قَالَ:"هَدَاكَ اللَّهُ"لفَاتَتْ. وأَصْلُ النَّافِلَةِ مَا كَانَ زَائِدًا علَى الفَرْضِ, مِن ذَلِكَ قَوْلُه تَعَالَى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} . أي: زَائِدًا لَكَ دُونَ أُمَّتِكَ؛ لأنَّه وَاجِبٌ فِي حَقِّهِ خَاصَّةً. ووَلَدُ الوَلَدِ يُقَالُ لَهُ: نَافِلَةٌ. قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} . والنَّفْلُ: الغَنِيمَةُ والجَمْعُ: يُقَالُ: أَنْفَالٌ، قَالَ لَبِيدٌ:"إِنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرُ نَفَلٍ"
ويُرْوَى"فِيهِ مَوَاعِيظٌ". فتَكُونُ جُمْلَةً حَالِيَّةً مِن القُرْآنِ، وتَكُونُ"نَافِلَةَ"في مَعْنَى عَطِيَّةٍ ومَوْهِبَةٍ. وفِيهِ إِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ لاخْتِلافِ جِهَتَيْهِ. ويَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بنَافِلَةِ القُرْآنِ: تَهَجُّدَ اللَّيْلِ. يَعْنِي قَولَه تعالَى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} كَأَنَّهُ يَقُولُ: النَّافِلَةُ المَذْكُورَةُ في القُرْآنِ. وإِنَّمَا جَعَلَ القُرْآنَ نَافِلَةً؛ فلأنَّها مَوْهِبَةٌ مِن اللَّهِ-تعالى- لَمْ يُعْطِهَا الأَنْبِياءَ قَبْلَهُ. مِثْلُ تَهَجُّدِ اللَّيْلِ الذي هو نَافِلَةٌ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، وهِيَ نَافِلَةٌ عَلَى الصَّلَواتِ الخَمْسِ الوَاجِبَةِ عَلَى أُمَّتِهِ.