وقَوْلُه: بِجَنْبَيْهَا، أي: بِجَنْبَيِ المَدِينَةِ، ويُقَالُ: إِنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إِلَى المَرْأَةِ، أي: يَسْعَى الوُشَاةُ حَوْلَ هَذِهِ المَرْأَةِ بوَعِيدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّم - إِيَّاهُ. ويُرْوَى"جَنَابَيْهَا"أي: نَاحِيَتِهَا، كَمَا يُقَالُ: حَوَالَيْهَا, ونَصْبُه علَى الظَّرْفِ سَعَةً."وقِيلَهُمُ"نُصِبَ عَلَى المَصْدَرِ, أي: ويَقُولُونَ، دَلَّ عَلَيْهِ يَسْعَى؛ لأَنَّ السَّعْيَ إِنَّمَا هُوَ كَلامٌ.
وقَوْلُه:"وقِيلَهُمُ"في مَوْضِعِ يَقُولُونَ, كَمَا قَالُوا: مَعَاذَ اللَّهِ. فِي مَوْضِعِ أَعُوذُ باللَّهِ. وحَكَى الوَعِيدَ مُؤَكَّدًا بأَنَّ واللامَ؛ لأَنَّهُ وَعِيدٌ مِن صَادِقٍ، وحَكَاهُ كَمَا سَمِعَهُ اسْتِسْلامًا. ويُرْوَى [و] قِيلُهُمُ"بالضَّمِّ عَلَى الابْتِدَاءِ, والخَبَرُ"إِنَّكَ لَمَقْتُولُ". وهي وَاوُ الحَالِ, أي: يَسْعَوْنَ قَائِلِينَ."
وقَالَ كُلُّ صَدِيقٍ كُنْتُ آمُلُهُ ... لا أُلهِيَنَّكَ إِنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ
يُرِيدُ أَنَّهُ تَبَرَّأَ مِنْهُ أَصْدِقَاؤُهُ وتَحَامُوهُ خِيفَةً مِن رَسُولِ اللَّهِ - عليهِ السلامُ- ويَأْسًا مِن سَلامَتِهِ. ويُرْوَى:"وقَالَ كُلُّ خَلِيلٍ".
وقَوْلُه: كُنْتُ آمُلُهُ، أي: آمُلُ خَيْرَهُ ومَعُونَتَهُ. لا أُلْهِينَّكَ: أي: لا أُشْغِلنَّكَ, ومَعْنَاهُ: لا أُسَهِّلُ عَلَيْكَ الأمْرَ وأُسَلِّيكَ، يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يُجِرْهُ أَحَدٌ مِن أَصْدِقَائِهِ ولَمْ يُؤْوِهِ. والنُّونُ لتَوْكِيدِ النَّفْيِ وأَصْلُه مِن لَهَيْتُ عَنِ الشَّيْءِ إِذَا تَشَاغَلْتَ عَنْهُ بغَيْرِه. ويُقَالُ: (إِذَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بشَيْءٍ فَالْهَ عَنْهُ) . أي: تَشَاغَلْ عَنْهُ بغَيْرِه وتَغَافَلْ. والهَمْزَةُ للتَّعْدِيَةِ يُقَالُ: مَا أَلْهَاكَ عَنْ كَذَا. أي: مَا أَشْغَلَكَ عَنْهُ, وقَوْلُه تعالى: {فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى} . ومَعْنَاهُ تَتَشَاغَلُ عَنْهُ بغَيْرِه.
فَقُلْتُ خَلُّوا سَبِيلِي لا أَبَاَ لكُمُ ... فُكُلُّ مَا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ مَفْعُولُ
أي: خَلُّوا طَرِيقِي ولا تَحْبِسُونِي عَنِ المُثُولِ بَيْنَ يَدَيْهِ -صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - فَقَدْ طَابَتْ نَفْسِي بكُلِّ مَا يَصْنَعُ بِي مِن عَفْوٍ وقَتْلٍ.
وقَوْلُه:"فكُلُّ مَا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ مَفْعُولُ". إِيمَانٌ بالقُدْرَةِ.
وقَوْلُه:"لا أَباَ لَكُمُ". يَكُونُ مَدْحًا وذَمًّا، وهِيَ كَلِمَةٌ يَقُولُهَا المُتَفَجِّعُ والمُتَوَجِّعُ والمُوبِّخُ والدَّاعِي والمُقْسِمُ، ويُخَاطَبُ بِهَا مَن يُعْلَمُ بأَنَّ لَهُ أبًا. واللامُ فيها مُقْحَمَةٌ مِن وَجْهٍ وغَيْرُ مُقْحَمَةٍ مِن وَجْهٍ، وذَلِكَ أَنَّ"لا"تَنْفِي النَّكِرَةَ العَامَّةَ بغَيْرِ تَنْوينٍ وتُبْنَى مَعَها علَى الفَتْحِ، ومَعَ هَذَا فإِنَّمَا المُخَاطَبُ وَاحِدٌ فَثَبَتَتِ الأَلِفُ؛ لأَنَّهُ في تَقْدِيرِ الإِضَافَةِ واقْحَامِ اللامِ, كأَنَّهُ يَقُولُ: لا أَبَاكَ، وثَبَتَتِ اللامُ؛ لأَنَّهُ في تَقْدِيرِ النَّكِرَةِ العَامَّةِ. وهم إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَدُلُّوا عَلَى مَعْنَيَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ أَتَوْا عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بعَلامَةٍ، ومَالُوا بالكَلامِ إِلَى طَرَفَيْهِمَا جَمِيعًا, ومِثْلُه حَذَفُوا النُّونَ إِيذَانًا بالإِضَافَةِ، وأَتَوْا باللامِ إِيذَانًا بالانْفِصَالِ والتَّنْكِيرِ.
كُلُّ ابنِ أُنْثَى وإِنْ طَالَتْ سَلامَتُه ... يَوْمًا عَلَى آلَةٍ حَدْبَاءَ مَحْمُولُ
أَخَذَ يُطَيِّبُ لنَفْسِه المَوْتَ، ويُذَكِّرُهَا بأَنَّ المَآلَ إِلَيْهِ وإِنْ طَالَ البَقَاءُ، اسْتِسْلامًا للهَلاكِ، وتَسْلِيمًا لَحَتْمِ القَضَاءِ. وكُلُّ ابنِ أُنْثَى: يُرِيدُ بِهِ الخَلْقَ أَجْمَعِينَ.
وقَوْلُه:"يَوْمًا"أي: وَقْتًا مَا."ومَحْمُولُ"خَبَرُ"كُلُّ". و"عَلَى آلَةٍ"مَتَعَلِّقٌ بـ"مَحْمُولُ"وكَذَا"يَوْمًا". وجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المُبْتَدَأُ والخَبَرُ، أي: وإِنْ طَالَتْ سَلامَتُهُ فإِلَى المَوْتِ مِرْجِعُهُ. والوَاوُ فِي قَوْلِه:"وإِنْ طَالَتْ". وَاوُ الحَالِ والعَامِلُ فيهِ"مَحْمُولُ"ولَوْ أَسْقَطَ الوَاوَ تَغْيَّرَ المَعْنَى، وصَارَ طُولُ السَّلامَةِ سَبَبًا للمَوْتِ أو مُؤَدِّيًا إليهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بالنَّاصعِ، وإِنَّما المَعْنَى: إِنَّ المَوْتَ وَاقِعٌ معَ طُولِ العُمُرِ فَضْلًا عن قِصَرِه. والآلَةُ الحَدْبَاءُ: التَّابُوتُ، وقِيلَ: سَرِيرُ المَيِّتِ، وقِيلَ الآلَةُ الحَدْبَاءُ: الحَالَةُ الصَّعْبَةُ. يُرِيدُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ ميلًا في الشَّدَائِدِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
قَدْ أَرْكَبُ الآلَةَ بَعْدَ الآلَةْ.