يَوْمًا: ظَرْفٌ يَتَعَلَّقُ"بأَوْبِ"أَوْ بِمَا فِي"كَأَنَّ"مِن مَعْنَى التَّشْبِيهِ، أو بـ"تَلَفَّعَ"وهو أَجْوَدُ.
والحِرْبَاءُ: حَيَوانٌ مِن جِنْسِ القَطَا وأَكْبَرُ مِنْهُ شَيْئًا، ولَهُ سِنَامٌ كسِنَامِ الجَمَلِ، وهو يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ ويَدُورُ مَعَها أَيْنَمَا دَارَتْ ويَتَلَوَّنُ أَلْوانًا بأَضْوَاءِ الشَّمْسِ، وهو في الظَّلِ أَخْضَرُ, والحِرْبَاءُ ذَكَرُ أُمِّ حُنَيْنٍ. والمُصْطَخِمُ، يُقَالُ: اصْطَخَمَ: إِذَا انْتَصَبَ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ خَبَرُ"يَظَلُّ". وأَضْحَى: يَفْعَلُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وظَلَّ: يَفْعَلُ نَهَارًا، وبَاتَ: يَفْعَلُ لَيْلًا. وأمَّا أَصْبَحَ فَضِدُّهَا أَمْسَى، والجُمْلَةُ صِفَةُ"يَوْمٍ"، ويُرْوَى"مُصْطَخِدًا"وهو مُفْتَعِلٌ مِن صَخَدَتْهُ الشَّمْسُ: إِذَا آلَمَتْ دِمَاغَهُ. ويَوْمٌ صَخْدَانُ: شَدِيدُ الحَرِّ، وكَذَلِكَ صَهَرَتْهُ الشَّمْسُ.
وقَوْلُه:"كَأَنَّ ضَاحِيهِ بالنَّارِ مَمْلُولُ"فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ حَالٌ مِنَ الحِرْبَاءِ أو صِفَةٌ لـ مُصْطَخِمٍ، أو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. وضَاحِيهِ: ما ضَحَى مِنْهُ للشَّمْسِ أي: بَرَزَ. والضُّحَى للشَّمْسِ. ورَأَى النَّبِيُّ -صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا مُحْرِمًا وَقَدْ تَسَتَّرَ فَقَالَ: (أَضْحِ لِمَنْ أَحْرَمْتَ لَهُ) . ومَمْلُولُ: شَدِيدُ الحَرَارَةِ كأَنَّهُ قَدْ طُبِخَ فِي النَّارِ، وهِيَ المَلَّةُ التي يُخْتَبَزُ فِيهَا. قَالَ أَبُو العَبَّاسِ: مُصْطَخِمًا: مُنْتَصِبًا كأَنَّهُ غَضْبَانُ.
وقَالَ للقَوْمِ حَادِيهِمْ وَقَدْ جَعَلَتْ ... وُرْقُ الجَنَادِبِ يَرْكُضْنَ الحَصَى: قِيلُوا
الجَنَادِبُ: جَمْعُ جُنْدُبٍ، وهُوَ ذَكَرُ الجَرَادِ، طَوِيلُ الأَرْجُلِ، وثَّابٌ غَيْرُ طَيَّارٍ، والوُرقُ: جَمْعُ أَوْرَقٍ وهو الذي لَوْنُه إِلَى السَّوَادِ، وإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا الصِّنْفُ فِي القِفَارِ البَعِيدَةِ مِنَ المَاءِ الوَحْشَةِ، القَوِيَّةِ الحَرَارَةِ. ويَرْكُضُ الحَصَا: يَدْفَعُه، وإِنَّمَا تَفْعَلُ الجَنَادِبُ ذَلِكَ عِنْدَ شِدَّةِ الحَرِّ. وقِيلُوا: مِن القَائِلَةِ يَعْنِي: أنَّ جَمِيعَ مَا سِيقَ مِن نَشَاطِ نَاقِتِه، إِنَّما كَانَ عِنْدَ الظَّهِيرَةِ، ووَقْتَ القَائِلَةِ، وعِنْدَما يَقُولُ الحَادِي لقَوْمِه:"قِيلُوا". وهَذَا البَيْتُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِه:"وَقَدْ تَلَفَّعَ بالقُورِ", والوَاوُ للحَالِ فِي المَوْضِعَيْنِ.
شَدَّ النَّهَارِ ذِرَاعَا عَيْطَلٍ نَصَفٍ ... قَامَتْ فَجَاوَبَهَا نُكْدٌ مَثَاكِيلُ
شدَّ النَّهَارِ: أَعْلاهُ وارْتِفَاعُه. يُقَالُ شَدَّ النَّهَارُ: ارْتَفَعَ، وهو مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ مُتَعَلِّقٌ بـ"أَوْبَ"، ولا يَبْعُدُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بـ"يَرْكُضْنَ"."وذِرَاعَا عَيْطَلٍ"خَبَرُ"كأَنَّ أَوْبَ ذِرَاعَيْهَا". أي:"كأَنَّ أَوْبَ ذِرَاعَيْهَا أَوْبُ ذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ"، فحُذِفَ المُضَافُ وأُقِيمَ المُضَافُ إِلَيْهِ مُقَامَهُ. والعَيْطَلُ: الطَّوِيلَةُ الجَسِيمَةُ امْرَأَةً كَانَتْ أَوْ نَاقَةً، ولَكِنَّ المُرَادَ بِهَا هَاهُنَا امْرَأَةٌ، فإِنَّه يُشِبِّهُ نَاقَتَهُ في أَتْعَبِ مَا تَكُونُ النُّوقُ بامْرَأَةٍ هَذِهِ حَالُهَا، وذَلِكَ أَنْ قَوَائِمَهَا فِي طُوْلِهَا وخِفَّةِ حَرَكَتِهَا كَهَذِهِ المَرْأَةِ. والنَّصَفُ: الكَهْلَةُ وهِيَ أَعْرَفُ بالنِّيَاحَةِ وأَقْوَى عَلَيْهَا وأَجْدَرُ أَنْ تَكُونَ أَحْيانًا فهي تَلْطُمُ عَلَيْهِم، وجَعَلَها قَائِمَةً؛ ليُكْمِلَ تَشْبِيهَ نَاقَتِهِ بِهَا. والنُّكْدُ: جَمْعُ نَكِدَاءَ، وهِيَ التي لا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ. والنَّكِدُ: الشُّؤُمُ والقِلَّةُ والعُسْرُ. والمَثَاكِيلُ: جَمْعُ مِثْكَالٍ وهِيَ المَرْأَةُ الكَثِيرَةُ الثَّكْلِ، وهِيَ التي مَاتَ لَهَا أَوْلادٌ كَثِيرُونَ. والفَائِدَةُ في قَوْلِه:"فجَاوَبَهَا نُكْدٌ"أَنْ يَكُونَ أَزْيَدَ فِي حُزْنِهَا، وأَنْشَطَ لَهَا فِي تَرْجِيعِ يَدَيْهَا عِنْدَ النِّيَاحَةِ، لمُسَاعَدَةِ أولئك لَهَا.
نَوَّاحَةٌ رِخْوَةُ الضَّبْعَيْنِ ليَْسَ لَهَا ... لَمَّا نَعَى بِكْرَهَا النَّاعُونَ مَعْقُولُ
نَوَّاحَةٌ: كَثِيرَةُ النَّوْحِ وهِيَ صِفَةٌ لـ"عَيْطَلٍ"، وكذلك"رِخْوَةُ الضَّبْعَيْنِ". والمَعْقُولُ: العَقْلُ، وهو مِن المَصَادِرِ التي جَاءَتْ عَلَى مَفْعُولٍ، ومِثْلُه مَحْصُولُ؛ لأَنَّ المَصْدَرَ مَفْعُولٌ فِي المَعْنَى. والضَّبْعُ: العَضُدُ. ورِخَاوَةُ الضَّبْعَيْنِ مُؤْذِنٌ بسُرْعَةِ الحَرَكَةِ وخِفَّةِ النَّقْلَةِ. و"بِكْرَهَا": أَوَّلُ وَلَدِهَا.
يَسْعَى الوُشَاةُ بِجَنْبَيْهَا وقِيلَهُمُ ... إِنَّكَ يَا بْنَ أَبِي سُلْمَى لَمَقْتُولُ
الوُشَاةُ: جَمْعُ وَاشٍ، وَهُوَ السَّاعِي بَيْنَ النَّاسِ بالنَّمِيمَةِ والفَسَادِ. وأَصْلُه مِن وَشَيْتُ الثَّوْبَ إِذَا حَسَّنْتَهُ، يُرِيدُ مَن يَسْعَى إِلَيْهِ بوَعِيدِ رَسُولِ اللَّهِ عليهِ السلامُ.