فاتَّصَلَ الشعرُ برسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فأَهْدَرَ دَمَه، فكَتَبَ بُجَيْرٌ إلى كَعْبٍ: النَّجَا، فقدْ أَهْدَرَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ دَمَكَ، وما أَظُنُّكَ نَاجِيًا. ثم كَتَبَ إليه أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما جَاءَهُ أَحَدٌ قَطُّ يَشْهَدُ أنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللهِ إِلاَّ قَبِلَه، ولم يُطَالِبْه بما تَقَدَّمَ الإسلامَ.
فلَمَّا وَرَدَ عليه كِتَابُه تَوَجَّهَ إلى الرسولِ صَلَوَاتُ اللهِ عليه. قالَ كَعْبٌ: فأَنَخْتُ رَاحِلَتِي على بابِ المَسْجِدِ، ودَخَلْتُ المَسْجِدَ ودَنَوْتُ مِن النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فقُلْتُ: أَشْهَدُ أنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللهِ، الأَمَانَ يارسولَ اللهِ. قالَ: (( مَنْ أَنْتَ؟ ) ). قُلْتُ: كَعْبُ بنُ زُهَيْرٍ. قالَ: (( الَّذِي يَقُولُ مَا يَقُولُ ) ). ثم أَقْبَلَ على أبي بَكْرٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) فأَنْشَدَهُ أبو بَكْرٍ:
سَقَاكَ بِهَا الْمَأْمُونُ كَأْسًا رَوِيَّةً
فقُلْتُ: لم أَقُلْ هكذا؛ إِنَّما قُلْتُ:
سَقَاكَ أَبُو بَكْرٍ بِكَأسٍ رَوِيَّةٍ ... وَأَنْهَلَكَ الْمَأْمُونُ مِنَهَا وَعَلَّكَا
فقالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( مَأْمُونٌ وَاللهِ ) ). فأَنْشَدَهُ:
بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لَمْ يُفَدَ مَكْبُولُ
"بَانَتْ": فَارَقَتْ. وسُعَادُ: لا تَنْصَرِفُ للتعريفِ والتأنيثِ، و"مَتْبُولُ": أُصيبَ بِتَبْلٍ، والتَّبْلُ: والذَّحْلُ، والدَّعْثُ، والوَغْمُ، والوَغَرُ، والغَمْرُ، والوَحَى، والدِّمْنَةُ، والسَّخِيمَةُ، والضِّغْنُ، والضَّغِينَةُ والقَبُّ، والوَتْرُ، والتِّرَةُ والحَزَازُ، والحَزَازَةُ، والإِحْنَةُ، والحِنَةُ، والحَسِيكَةُ والحَسِيفَةُ، والكَتِيفَةُ والزَّخَّةُ، والطَّائِلَةُ بمعنًى, وهو الحِقْدُ. و"مُتَيَّمٌ": مُعَبَّدٌ. و"مَكْبُولُ": مُقَيَّدٌ، والمعنى: أنَّه لَمَّا فَارَقَ هَذِه المَرْأَةَ بَقِيَ كأَسِيرٍ لَمْ يُفْدَ بِفِدَاءٍ.
وَمَا سُعَادُ غَدَاةَ الْبَيْنِ إِذْ رَحَلُوا إِلاَّ أَغَنُّ غَضِيضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ
سعادُ: رُفِعَ بالابْتِدَاءِ، لا بـ"مَا"؛ لِزَوَالِ معنَى النَّفْيِ بإِلاَّ في قَوْلِه:"إِلاَّ أَغَنُّ"، وأَغَنُّ: خَبَرُ المبتدأِ. والأَغَنُّ: الذي في صَوْتِهِ غُنَّةٌ. والغُنَّةُ: خُرُوجُ الكلامِ مِنَ الأَنْفِ. و"غَضِيضُ الطَّرْفِ": فاتِرُ الطَّرْفِ. والغَضُّ: كفُّ الطَّرْفِ، قالَ تَعَالَى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} ، وقالَ الشَّاعِرُ:
فَغُضَّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ ... فَلاَ كَعْبًا بَلَغْتَ وَلاَ كِلاَبَا
و"غَضِيضُ"بمعنى مَغْضُوضٍ، فَعِيلٌ بمعنى مَفْعُولٍ، كقَتِيلٍ بمعنَى مَقْتُولٍ، وجَرِيحٍ بمعنَى مَجْرُوحٍ، وقَدِيرٍ بمعنَى مَقْدُورٍ، قالَ امْرِؤُ الْقَيْسِ:
فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِنْ بَيْنِ مُنْضِجٍ صَفِيفَ شِوَاءٍ أَوْ قَدِيرٍ مُعَجَّلِ
تَجْلُو عَوَارِضَ ذِي ظَلْمٍ إِذَا ابْتَسَمَتْ كَأَنَّهُ مُنْهَلٌ بِالرَّاحِ مَعْلُولُ
تَجْلُو: تَكْشِفُ. يُقالُ: جَلَوْتُ السَّيْفَ، إذا كَشَفْتَ ما عليه مِنَ الصَّدَأِ. وجَلاَ لِيَ الخَبَرُ انْكَشَفَ ووَضَحَ، ويُقالُ: وهو ابنُ جَلاَ إذا انْكَشَفَ أَمْرُهُ لِشُهْرَتِه، قالَ سُعَيْمُ بنُ وَثِيلٍ (الرِّيَاحِيُّ) :
أَنَا ابْنُ جَلاَ وَطَلاَّعُ الثَّنَايَا مَتَى أَضَعِ العِمَامَةَ تَعْرِفُونِي
وقالَ الآخَرُ:
إِنِّي أَنَا ابنُ جَلاَ إِنْ كُنْتَ تُنْكِرُنِي = يَا رُؤْبُ والصَّخْرَةُ الصَّمَّاءُ والْجَبَلُ
أبَالأَرَاجِيزِ يَا ابنَ اللُّؤْمِ تُوعِدُنِي وَفِي الأَرَاجِيزِ, خِلْتُ, اللُّؤْمُ والفَشَلُ