الصفحة 72 من 189

الحال الثاني كمال الاتصال بأن تكون الثانية مؤكدة للأولى أو بدلًا منها أو عطف بيان وإنما وجب الفصل فيها لكونها توابع والتوابع عين المتبوع والعطف يقتضي المغايرة والموجب للتأكيد دفع توهم السهو أو المجاز ثم تارة تنزل الثانية من الأولى منزلة التأكيد المعنوي من متبوعه في إفادة التقرير مع الاختلاف في معنى الجملتين وتارة منزلة التأكيد اللفظي في اتحاد المعنى فالأول كقوله تعالى: ذلك الكتاب لا ريب فيه فإنه لما بولغ في وصف الكتاب ببلوغه الدرجة القصوى في الكمال حيث جعل المبتدأ ذلك الدال على كمال العناية بتمييزه والتوسل ببعده إلى التعظيم وعلو الدرجة وتعريف الخبر باللام الدالة على الانحصار فمعنى ذلك الكتاب أنه الكتاب الكامل الذي يستحق أن يسمى كتابًا حتى كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص بل ليس بكتاب جاز أن يتوهم السامع قبل التأمل أن في ذلك مجازًا أي بسبب المبالغة فأتبع بقوله لا ريب فيه دفعا لهذا التوهم فهو وزان نفسه في قولك جاء زيد نفسه. والثاني كقوله تعالى هدى للمتقين فإن معناه أنه في الهداية بالغ درجة لا يدرك كنهها لما في تنكير هدى من الإبهام والتفخيم وللإتيان به دون هاد حتى كأنه هداية محضة وهذا معنى ذلك الكتاب لأن معناه الكتاب الكامل أي في الهداية إذ هي المقصود من الإنزال فهو وزان زيد الثاني في قولك جاء زيد زيد، وأما البدل أي كون الثانية بدلًا من الأولى وذلك لكونها غير وافية بتمام المراد أو كغير الوافية به والمقام يقتضي الاعتناء بشأن المراد لنكتة ككونه مطلوبًا في نفسه أو نظيفًا أو لطيفًا أو عجيبًا فتنزل الثانية من الأولى منزلة بدل البعض أو الاشتمال فالأول كقوله تعالى: أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين إلخ. فإن المراد التنبيه على نعم الله تعالى والمقام يقتضي الاعتناء بشأنه لكونه مطلوبا في نفسه وقوله أمدكم بأنعام إلخ أوفى بتأديته لدلالته عليهم بالتفصيل من غير إحالة على علم المخاطبين المعاندين فهو وزان وجهه في أعجبني زيد وجهه لدخول الثاني في الأول لأن بما تعلمون يشمل الأنعام وغيرها. والثاني كقول الشاعر:

* أقول له ارحل لا تقيمن عندنا * فإن المراد كمال إظهار كراهة الإقامة وقوله لا تقيمن عندنا أوفى بتأديته لدلالته عليه بالمطابقة مع التأكيد بالنون بخلاف ارحل فإن دلالته عليه بالتضمن فهو وزان حسنها في أعجبني الدار حسنها لأن عدم الإقامة مغاير للارتحال فلا يكون تأكيدا وغير داخل فيه فلا يكون بدل بعض مع ما بينهما من الملابسة فيكون بدل اشتمال وأما بدل الكل فلا يتأتى هنا استغناء بعطف البيان لأنه قريب منه وقال في الإيضاح لأنه تأكيد في المعنى ولأنه مقصود دون متبوعه والمقصود في البيان ونحوه الأول والثاني توضيح له ومن أمثلة ذلك من القرآن اتبعوا المرسلين اتبعوا الآية

[شرح عقود الجمان: 60]

فإن المراد حمل المخاطبين على اتباع الرسل وقوله اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون أوفى بتأديته وهو مشتمل عليه وقولنا في الموضعين أوفى بصيغة افعل المقتضية لكون الأولى وافية أيضًا مع ما تقدم من أنها غير وافية لأن الأولى وافية مع ضرب من القصور باعتبار الأجمال وعدم مطابقة الدلالة فصارت كغير الوافية. وأما البيان أي كونها عطف بيان للأولى لخفائها مع اقتضاء المقام إزالته فكقوله تعالى فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم الآية فصل قال عن وسوس لأن فيها تفسيرًا لها وبيانًا لها وكذا وما هم بمؤمنين يخادعون الله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم فإنه إذا خرج من جنس البشر فقد دخل في جنس آخر فاحتاج إلى بيان تعيينه. وقال أبو العلاء في سيف:

مقيم النصل في طرفي نقيض = يكون تباين منه اشتكالا

تبين فوقه ضحضاح ماء = وتبصر فيه للنار اشتعالا

أخفى في البيت الأول الماء والنار المشبه بهما طرائف السيف التي هي في متنه وعرائقه بقوله في طرفي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت