مرادا به الخبر ولذلك في كل محل نكت ولطائف تدرك بالفطنة وذكر منها في التبيان أمثلة منها قوله تعالى: {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم} الآية لم يقل وإقامة وجوهكم تأكيدا لمكان العناية بالصلاة وقوله تعالى حكاية عن هود: {إني أشهد الله وأشهدوا أني بريء مما تشركون} لم يقل وأشهدكم حذرا من أن يوازي شهادتهم بشهادة الله تعالى تهاونًا بهم وأورد منه استغفر لهم أو لا تستغفر لهم وقول كثير:
أسيئي بنا أو أحسنى لا ملومة = لدينا ولا مقلية إن تقلت
أو ذلك للتسوية كما تقدم في الأمر ثم الإنشاء كالخبر في كثير مما تقدم في الأبواب الخمسة فليعتبر الناظر ذلك.
الوصل والفصل
[تعاطف الجمل يدعى الوصلا = وتركه الفصل فأما الأولى
فإن يكن لها محل وقصد = تشريك تاليها لها فيما وجد
فاعطف وشرط كونه مقبولا = تناسب للفقد جيء مفصولا
أو لا محل وارتباط يحتذي = بعاطف لا الواو فاعطفها بذا
كراح زيد ثم جاء أو فجا = عمرو بمهلة وفور نهجا
أولا ولم يعط الذي للأولى = لها فضل وكذا إن يولى
مع كمال الاتصال أو سواه = من غير إيهام كلاهما حواه
أو شبه هذين وإلا فصل = أما كمال الانقطاع المكمل
فلا اختلاف بين إنشا وخبر = لفظا ومعنى أو بمعنى مستقر
كمات زيد غفر الرحمن له = أو فقد جامع هناك شمله]
هذا هو الباب السابع وهو أعظم أبواب هذا العلم خطرًا وأصعبه مسلكًا وأدقه مأخذًا حتى قصر أبو علي الفارسي البلاغة على معرفة الوصل والفصل نقله غير واحد والمراد بالوصل عطف الجمل بعضها على بعض وبالفصل ترك التعاطف فإذا أنت جملة بعد جملة فالأولى إما أن يكون لها محل من الإعراب أولا فإن كان وقصد تشريك الثانية لها في حكم الإعراب الذي لها مثل الخبرية والحالية والوصفية عطفت عليها كما يعطف المفرد إذا قصد تشريكه لمفرد قبله في حكم إعرابه وشرط كون عطف الثانية على الأولى مقبولًا في فن البلاغة أن يكون بينهما تناسب بجهة جامعة نحو زيد يكتب ويشعر ويعطي ويمنع لما بين الكتابة والشعر من التناسب الظاهر والإعطاء والمنع من التضاد بخلاف زيد يكتب ويمنع أو يعطي ويشعر ولهذا عيب على أبي تمام قوله:
لا والذي هو عالم أن النوى = مر وأن أبا الحسين كريم
[شرح عقود الجمان: 58]
إذ لا مناسبة بين كرم أبي الحسين ومرارة النوى وإن فقد قصد التشريك المذكور ترك العطف نحو: وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون الله يستهزئ بهم لم يعطف الله يستهزئ بهم على إنا معكم لأنه ليس من مقولهم فلو عطف لفهم تشريكه له في المفعولية فيلزم كونه مقول المنافقين وليس كذلك وإن لم يكن لها محل فإن قصد ربط الثانية بها على معنى حرف عاطف غير الواو كالتعقيب المستفاد من الفاء والتراخي المستفاد من ثم وجب عطفها بذلك الحرف نحو دخل زيد فخرج أو ثم خرج عمرو وإن لم يقصد الربط المذكور فإن كان للأولى حكم لم يقصد إعطاؤه للثانية وجب الفصل نحو: وإذا خلوا الآية لأنه لم يعطف الله يستهزئ بهم على قالوا لئلا يشاركه في الاختصاص بالظرف لما تقدم من أن تقديم المفعول ونحوه يفيده فيلزم أن