الذي لا يسمع لا يستجيب كذا قاله السكاكي والشيخ عبد القاهر جعل ذلك شرطا في حسن العطف لا في جوازه، قال القزويني: وهو أقرب على الصواب إذ لا دليل على الامتناع عند قصد التحقيق والتأكيد، الرابع أن أصل الثاني وهو النفي والاستثناء أن يكون المخاطب يجهل ما استعمل له وهو إثبات الحكم المذكور إن كان قصر إفراد أو نفيه إن كان قصر قلب وينكره بخلاف الثالث وهو إنما فإن أصله أن يكون الحكم بما يعلمه الخاطب ولا ينكره مثاله: وما من إله إلا الله، وقد يخرج عن ذلك فينزل المعلوم منزلة المجهول لاعتبار مناسب فيستعمل له القصر بما وإلا إفرادا وقلبا، مثال الإفراد وما محمد إلا رسول أي هو مقصور على الرسالة لا يتعداها إلى التبري من الهلاك فإنه خطاب للصحابة وهم عالمون بأنه غير جامع للرسالة والتبري من الهلاك لكنهم لما استعظموا مماته نزل منزلة إنكارهم إياه فاستعمل له النفي وإلا، ومثال القلب: إن أنتم إلا بشر مثلنا فالمخاطبون وهم الرسل لم يكونوا جاهلين بأنهم بشر ولا منكرين لكنهم نزلوا منزلة المنكرين لاعتقادهم القائلين وهم الكفار إن الرسول لا يكون بشرا مع إصرار الرسالة والبشرية فقلبوا الحكم وقالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا: أي مقصورون على البشرية ليس لكم وصف الرسالة التي تدعونها، فإن قيل قد اعترف المخاطبون بكونهم مقصورين على البشرية حيث قالوا إن نحن إلا بشر مثلكم فكأنهم سلموا انتفاء الرسالة عنهم، فجوابه أن قولهم ذلك من باب مجاراة الخصم بتسليم بعض مقدماته ليعثر حيث يراد تبكيته وإلزامه لا لتسليم انتفاء الرسالة فكأنهم قالوا ما ادعيتم من كوننا بشرا حق لا ننكره ولكن هذا لا ينافي أن يمن الله تعالى علينا بالرسالة، وأما إنما فالأصل فيها أن تستعمل فيما لا ينكره المخاطب كما أفصحت به في النظم كقولك إنما زيد أخوك لمن يعلم ذلك ويقربه ترقيقا عليه وقد ينزل المجهول منزلة المعلوم لإدعاء ظهوره فيستعمل له إنما نحو: إنما نحن مصلحون ادعوا أن ذلك أمر ظاهر من شأنه أن لا يجهله المخاطب ولا ينكره ولذلك جاء رده مؤكدا بأن والجملة الاسمية وتعريف الخبر وتوسيط ضمير الفصل وتصدير الكلام بحرف التنبيه الدال على مضمون الكلام مما له خطر في قوله ألا أنهم هم المفسدون، ثم عقب بما يدل على التقريع والتوبيخ وهو قوله ولكن لا يشعرون، ثم نبهت على أن إنما لها مزية على العطف لأنه يعلم منها الحكمان أي الإثبات للمذكور والنفي عن غيره معا بخلاف العطف فإنه يعلم فيه أولا الإثبات ثم النفي أو عكسه ويشاركه إنما في ذلك التقديم كما بينته من زيادتي وأحسن مواقعها التعريض نحو إنما يتذكر أولوا الألباب فإنه تعريض بذم الكفار وأنهم في حكم البهائم
[شرح عقود الجمان: 46]