أيضًا؛ فإنَّهُ يُعَاقَبُ على فِعْلِهِ، وما يُعاقَبُ على فِعْلِهِ يَستحيلُ الثوابُ على فِعْلِهِ، وبذلكَ فارَقَ المكروهَ أيضًا؛ فإنَّ المكروهَ لا يُثابُ على فِعْلِهِ أيضًا.
(والمباحُ ما لا يُثابُ على فِعْلِهِ ولا يُعاقَبُ على تَرْكِهِ) .
أَصلُ الْمُباحِ مِن الاتِّساعِ، ومنهُ: بُحْبُوحَةُ الجَنَّةِ، ما اتَّسَعَ منها، وباحَ بسِرِّهِ إذا أَخْرَجَهُ مِنْ ضِيقِ الكتمانِ إلى سَعةِ الإظهارِ. فالْمُباحُ وُسِّعَ فيهِ على المُكَلَّفِ؛ فإنَّهُ قيلَ لهُ: لا حَرَجَ عليكَ في تَرْكِهِ ولا في فِعْلِهِ.
ويُفارِقُ المباحُ الواجبَ والمندوبَ مِنْ حيثُ إنَّهُ لا يُثابُ على فِعْلِهِ، والواجبُ والمندوبُ كُلُّ واحدٍ منهما يُثابُ على فِعْلِهِ. ويَنْدَرِجُ في هذا الرسْمِ المكروهُ والحرامُ؛ فإنَّ المكروهَ لا يُثابُ على فِعْلِهِ ولا يُعاقَبُ على تَرْكِهِ، وكذلكَ الحرامُ لا يُثابُ على فِعْلِهِ بلْ يُعاقَبُ، ولا يُعَاقَبُ على تَرْكِهِ بلْ يُثابُ، على ما قالَ في رَسْمِ المحظورِ. فالأَوْلَى في رَسْمِ المُبَاحِ في هذا المكانِ أنْ يُقَالَ: هوَ ما اسْتَوَى طَرَفَاهُ في نَظَرِ الشرعِ.
(والمحظورُ هوَ ما يُثابُ على تَرْكِهِ ويُعاقَبُ على فِعْلِهِ) .
أَصلُ الحظْرِ: المنْعُ، ومنهُ: الحَظيرةُ؛ لأنَّها تَمْنَعُ الماشيَةَ مِن الخروجِ، فالحرامُ مَمنوعٌ شَرْعًا كشُرْبِ الخمْرِ مَثَلًا.
وفارَقَ الواجبُ الحرامَ مِنْ حيثُ إنَّ الحرامَ يُثابُ على تَرْكِهِ والواجبَ يُعاقَبُ على تَرْكِهِ. وبذلكَ فارَقَ المُبَاحَ أيضًا؛ فإنَّهُ لا يُثابُ على تَرْكِهِ، وكذلكَ المندوبُ لا يُثابُ على تَرْكِهِ، وأمَّا المكروهُ فإنَّهُ فارَقَ المحظورَ بقولِنا في المحظورِ: (ويُعاقَبُ على فِعْلِهِ) ؛ فإنَّ المكروهَ لا يُعاقَبُ على فِعْلِهِ.
ويُورَدُ على رَسْمِ المحظورِ ما تَقَدَّمَ مِن الأسئلةِ على رَسْمِ الواجبِ، ويُزادُ على هذا أنَّ تَرْكَ الحرامِ إنَّما يُثابُ عليهِ تارِكُهُ إذا تَرَكَهُ بقَصْدِ التقَرُّبِ إلى اللَّهِ تعالى، فأمَّا مَنْ تَرَكَ الحرامَ مِنْ غيرِ أنْ تَحْضُرَهُ هذهِ النيَّةُ فإنَّهُ لا يُثابُ.
(والمكروهُ ما يُثابُ على تَرْكِهِ ولا يُعاقَبُ على فِعْلِهِ) .
اشتقاقُ المكروهِ ظاهرٌ، ويُفارِقُ المكروهُ الواجبَ بأنَّ المكروهَ على ما قالَ يُثابُ على تَرْكِهِ، والواجبَ لا يُثابُ على تَرْكِهِ، بلْ يُعاقَبُ.
وكذلكَ المندوبُ يُفارِقُهُ بذلكَ؛ فإنَّ المندوبَ لا يُثابُ على تَرْكِهِ. وكذلكَ المُبَاحُ لا يُثابُ على تَرْكِهِ، ويُفارِقُ الحرامَ مِنْ جِهةِ أنَّ المكروهَ لا يُعاقَبُ على فِعْلِهِ والحرامَ يُعاقَبُ على فِعْلِهِ. وفي هذا الرسمِ نَظَرٌ؛ فإنَّ تَرْكَ المكروهِ إنْ كانَ بقَصْدِ التقَرُّبِ إلى اللَّهِ تعالى بتَرْكِهِ كانَ الثوابُ على ذلكَ القصْدِ، وإنْ تَجَرَّدَ التَّرْكُ عنْ ذلكَ القصْدِ لمْ يَتعلَّقْ بهِ ثوابٌ كما تَقَدَّمَ في تَرْكِ الحرامِ، فَالأَجْوَدُ في رَسْمِ المكروهِ أنْ يُقالَ: هوَ ما كانَ تَرْكُهُ راجحًا على فِعْلِهِ في نَظَرِ الشرعِ.
(والصحيحُ ما يَتَعَلَّقُ بهِ النفوذُ ويُعْتَدُّ بِهِ) .
النُّفوذُ أصلُهُ مِنْ نُفوذِ السهْمِ، وهوَ بُلوغُ المقصودِ مِن الرَّمْيِ. وكذلكَ العَقْدُ، إذا أفادَ المقصودَ المطلوبَ منهُ سُمِّيَ ذلكَ نُفُوذًا، فإذا تَرَتَّبَ على العَقْدِ ما يُقْصَدُ منهُ مِثلُ البيعِ إذا أَفادَ الْمِلْكَ، والنِّكاحِ إذا أفادَ حِلَّ الوَطْءِ، والخُلْعِ إذا أفادَ بَيْنُونَةَ الزوجةِ، قيلَ لهُ: صحيحٌ ويُعْتَدُّ بهِ. فالاعتدادُ بالعَقْدِ هوَ المرادُ لوَصْفِهِ بالصحَّةِ، وبكونِهِ نافذًا، فلو اكْتَفَى بأَحَدِ اللفظَيْنِ كانَ أَوْلَى مِن الْجَمْعِ بينَهما؛ فإنَّ الألفاظَ الْمُترادِفَةَ تُجْتَنَبُ في الرُّسُومِ.