أَصْلُ الوُجوبِ في اللغةِ السقوطُ، قالَ اللَّهُ تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} .
ولَمَّا كانَ الساقِطُ يَلْزَمُ مَكانَهُ، سُمِّيَ اللازمُ الذي لا خَلاصَ منهُ واجِبًا، وقيلَ: لَمَّا نَزَلَ التكليفُ بالواجِبِ على وَجْهٍ لا يُمْكِنُهم تَرْكُهُ صارَ كالسَّاقطِ عليهم.
وقدْ رُسِمَ الواجبُ في الْمُطَوَّلاتِ بأشياءَ كُلُّها مَدْخُولَةٌ، وهذا الرسْمُ قريبٌ إلى أفهامِ الفُقهاءِ، وعليهِ مُحاوراتُهم في مُناظَراتِهم. وقولُهُ: (مَا يُثابُ على فِعْلِه) ، لإخراجِ الحرامِ والمكروهِ والمباحِ؛ فإنَّ هذهِ الثلاثةَ لا يُثابُ على فِعْلِها. وقولُهُ: (وَيُعاقَبُ على تَرْكِهِ) ، لإخراجِ المندوبِ؛ فإنَّ المندوبَ يُثابُ على فِعْلِهِ، ولكنَّهُ لا يُعاقَبُ على تَرْكِهِ. وهذا مِثلُ الصلواتِ الخمْسِ وصِيامِ رَمضانَ وغيرِ ذلكَ ممَّا يَتَحَقَّقُ هذانِ الوَصفانِ -الثوابُ على الفعْلِ، والعقابُ على الترْكِ- فيهِ.
وقدْ أُورِدَ على هذا الرسْمِ ثلاثةُ أَسئلَةٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الثوابَ على الفعلِ والعقابَ على الترْكِ لازمٌ للواجبِ، وليسَ ذلكَ حقيقةَ الواجبِ؛ فإنَّ الصلاةَ مَثَلًا أَمْرٌ معقولٌ مُتَصَوَّرٌ، غيرَ حُصولِ الثوابِ بفِعْلِها والعقابِ بتَرْكِها. وتعريفُ الشيءِ بلَازِمِهِ لا يَصِحُّ.
الثاني: أنَّ العِقابَ على الترْكِ غيرُ مَعلومٍ؛ فإنَّ احتمالَ العفوِ مُمْكِنٌ، فلا يكونُ استحقاقُ العقابِ بالترْكِ مُتَيَقَّنًا.
الثالثُ: أنَّ هَذَيْنِ الوَصفَيْنِ قدْ تَحَقَّقَا حيثُ لا وُجوبَ؛ فإنَّ الأذانَ على ظاهِرِ المذهَبِ سُنَّةٌ، وإذا اتَّفَقَ أهلُ بَلَدٍ [على تَرْكِهِ] قُوتِلُوا، وكَفَى بذلكَ عِقابًا. وكذلكَ قالُوا: مَنْ وَاظَبَ على ترْكِ رَواتِبِ النوافلِ رُدَّتْ شَهادَتُهُ، وكذلكَ يُقالُ: [مَنْ واظَبَ] على ترْكِ صلاةِ العيدَيْنِ، وهيَ سُنَّةٌ، فقدْ دَخَلَ في هذا الرسْمِ ما يَجِبُ إخراجُهُ منهُ.
والجوابُ عن الأوَّلِ: أنَّ هذا ليسَ حَدًّا حقيقيًّا يُشْتَرَطُ فيهِ ذِكْرُ ذَاتِيَّاتِ المحدودِ، وإنَّما هوَ رَسْمٌ، والرسمُ يكونُ باللازمِ، كقولِكَ في الإنسانِ: هوَ الضاحِكُ أو الكاتبُ. وأيضًا فحقيقةُ الفعْلِ الواجبِ لا يُقْصَدُ تعريفُها في هذا الْمَوْطِنِ ولا يُمْكِنُ؛ لكثرةِ أصنافِ الأفعالِ الواجبةِ واختلافِ حقائقِها، وإنَّما المقصودُ بيانُ الوصْفِ الذي أَوْجَبَ لها ما اشْتَرَكَتْ فيهِ مِنْ صِدْقِ اسمِ الواجبِ عليها، وذلكَ هوَ ما ذَكَرْنا مِن الثوابِ على الفعْلِ والعِقابِ على التَّرْكِ.
والجوابُ عن الثاني: أنَّ الْمُدَّعَى صِدْقُ العقابِ على تَرْكِهِ، وذلكَ يَكْفِي فيهِ مُعاقبَةُ فَرْدٍ ما مِنْ أفرادِ العُصاةِ بذلكَ الترْكِ، ولا شَكَّ في تحقيقِ ذلكَ.
والجوابُ عن الثالثِ مِنْ وجهَيْنِ: أحدُهما: أنَّ الُمرادَ العِقابُ في الآخِرَةِ، وما ذَكَرَهُ المُعْتَرِضُ مِن المُقَاتَلَةِ ورَدِّ الشهادةِ عُقوبةٌ في الدُّنيا.
والثاني: أنَّ العُقوبةَ المذكورةَ في الأَذَانِ وتَرْكِ الرواتبِ والعيدَيْنِ لمْ تَكُنْ على نفسِ الترْكِ، وإنَّما هيَ على لازِمِهِ وهوَ الانحلالُ في الدِّينِ، فالعِقابُ على ما دَلَّ عليهِ الترْكُ وهوَ حرامٌ، لا على نفسِ الترْكِ. ثمَّ هذا السؤالُ إنَّما يَلْزَمُ على قَوْلِنا: يُقَاتَلُونَ على ترْكِ الأَذَانِ والعيدَيْنِ، وذلكَ أحَدُ الوجهيْنِ في المذْهَبِ.
وأمَّا رَدُّ الشهادةِ فليسَ عِقابًا، وإنَّما هوَ عَدَمُ أَهْلِيَّةِ رُتْبَةٍ شرعيَّةٍ شَرْطُها كمالاتٌ تَجتمِعُ مِنْ أفعالٍ وتُروكٍ، يَدخُلُ فيها الواجبُ وغَيرُه، وإذا قُلْنَا: العبدُ لا تُقْبَلُ شَهادتُهُ، لمْ يكُنْ ذلكَ عُقوبةً لهُ، وإنَّما ذلكَ لنُقصانِهِ عنْ دَرجةِ العَدالةِ.
(والمَنْدُوبُ ما يُثابُ على فِعْلِهِ ولا يُعاقَبُ على تَرْكِهِ) .
أصْلُ الندْبِ [في اللُّغةِ] الطلَبُ، والمندوبُ مطلوبٌ شَرْعًا، وهوَ ما يُشارِكُ الواجبَ في أنَّهُ يُثابُ على فِعْلِهِ، ويَنفصِلُ عنهُ بأنَّهُ لا يُعاقَبُ على تَرْكِهِ، كصلاةِ الضُّحَى مَثَلًا. ويُفارِقُ المباحُ المندوبَ بأنَّ المُبَاحَ لا يُثابُ على فِعْلِهِ، وبذلكَ يُفارِقُ المحظورَ