في ذلكَ الْحُكْمِ إذا صَحَّ إسنادُهُ وَجَبَ العملُ بهِ، وكذلكَ يَعْلَمُ أنَّ القياسَ الْجَلِيَّ إذا تَحَقَّقَ ما يَجِبُ فيهِ مِن الشروطِ وَجَبَ العملُ بهِ، فإذا نَظَرَ في آحادِ الصوَرِ وغَلَبَ على ظَنِّهِ صِحَّةُ خبرِ الواحدِ في ذلكَ الْحُكْمِ، أوْ تَحَقَّقَ القياسُ الْجَلِيُّ، حَكَمَ بذلكَ الظنِّ الغالبِ، فالْمَظنونُ حُكْمُ هذهِ الصورةِ الخاصَّةِ، والمقطوعُ بهِ القاعدةُ الكُلِّيَّةُ التي أَخَذَ منها ذلكَ الْحُكْمَ الخاصَّ، مِثالُ ذلكَ: قولُنا في الزكاةِ في مالِ الصبِيِّ: إنَّ مالَ الصبِيِّ مالٌ نَامٍ فتَجِبُ الزكاةُ فيهِ، قياسًا على مالِ البالغِ، لجَامِعِ ما يَشتركانِ فيهِ مِن النُّمُوِّ. فهذا قياسٌ خاصٌّ أفادَ الظنَّ بوُجوبِ الزكاةِ في مالِ الصبِيِّ، والقاعدةُ العامَّةُ في أَصْلِ القِياسِ قَطْعِيَّةٌ.
وقيلَ: التعريفُ في"الأحكامِ"لمْ يَتَقَدَّمْهُ عَهْدٌ، فإنْ حُمِلَ على الاستغراقِ تَعَذَّرَ وجودُ فَقيهٍ، إذْ ما مِنْ أحدٍ إلَّا ويَشِذُّ عنهُ بعضُ الأحكامِ، وإنْ حُمِلَ على الحقيقةِ كانَ كُلُّ مَنْ عَرَفَ حُكْمًا ما مِن الأحكامِ الاجتهاديَّةِ فَقيهًا، وذلكَ خِلافُ الاصطلاحِ. وأُجيبَ بأنَّ المرادَ بالأحكامِ الأحكامُ الشرعيَّةُ التي سنَذْكُرُها، وهيَ: الواجبُ والمندوبُ والمحظورُ والمكروهُ والمباحُ، وهذهِ الأحكامُ لِشُهْرَتِها عندَ أهلِ الشريعةِ صارتْ مَعهودةً، فَيُصْرَفُ إطلاقُهم للأحكامِ إليها، وإنْ لمْ يَتَقَدَّمْ لها ذِكْرٌ. وهذا الجوابُ لا يَتِمُّ؛ فإنَّ مَعْرِفَةَ حقيقةِ هذهِ الأحكامِ مِنْ عِلْمِ الأصولِ لا مِنْ علْمِ الفقهِ، فإنْ أُريدَ مَعْرِفَةُ كلِّ واجبٍ وكلِّ مَندوبٍ وهكذا إلى آخِرِها، عادَ ذلكَ إلى اشتراطِ استحضارِ جَميعِ الأحكامِ الشرعيَّةِ في الفقيهِ، وعادَ الإِشْكَالُ الأوَّلُ، وهوَ تَعَذُّرُ وجودِ شَخصٍ بهذهِ الصفةِ. وأُجيبَ بأنَّ المرادَ بِمَعْرِفَةِ الأحكامِ حُصُولُ قوَّةٍ ومَلَكَةٍ يُمْكِنُ معها النظَرُ في الأحكامِ إذا وَقَعَتْ، لا استحضارُ كلِّ واحدٍ واحدٍ مِن الأحكامِ.
وذَهَبَ جماعةٌ مِنْ فُضَلاءِ المُتَأَخِّرينَ إلى أنَّ هذا السؤالَ لازمٌ، وطريقُ الخلاصِ منهُ أنْ يُقالَ: الفِقْهُ مَعرِفَةُ جُملةٍ غالبةٍ من الأحكامِ الشرعيَّةِ.
(والأحكامُ سَبعةٌ: الواجبُ والمندوبُ والمباحُ والمحظورُ والمكروهُ والصحيحُ والباطلُ) .
الأحكامُ التي تُوصَفُ بها أفعالُ المكلَّفينَ سَبعةٌ على ما اختارَهُ في هذا الكتابِ؛ وذلكَ لأنَّ الحُكْمَ إنْ تَعَلَّقَ بالمعاملاتِ فهوَ إمَّا الصحَّةُ وإمَّا البُطلانُ، وإنْ تَعَلَّقَ بغيرِ المعامَلاتِ فهوَ إمَّا طَلَبٌ أوْ إِذْنٌ في الفعلِ مِنْ غيرِ تَرجيحٍ، والأوَّلُ إمَّا طَلَبُ فِعْلٍ وإمَّا طَلَبُ تَرْكٍ، والأوَّلُ إنْ كانَ جازمًا كانَ الإيجابُ، وإنْ لمْ يكُنْ جازمًا فهوَ المندوبُ، والثاني وهوَ طلَبُ الترْكِ إنْ كانَ جازِمًا [كانَ الحظْرُ، وإنْ لمْ يكُنْ جازِمًا] فهوَ المكروهُ، والثاني مِنْ أصلِ التقسيمِ -وهوَ الإذْنُ في الفعْلِ مِنْ غيرِ تَرجيحٍ- هوَ الإباحةُ.
وقيلَ: الأحكامُ خَمسةٌ، وأُدْرِجَ الصحيحُ والباطلُ فيها؛ فإنَّ الصحيحَ مِن المعاملاتِ يَدخُلُ في قِسْمِ الْمُباحِ، والباطلَ منها يَلْحَقُ بالمحظورِ.
وقيلَ: الأحكامُ تِسعةٌ، وزِيدَ على هذهِ السبعةِ الرُّخصةُ والعَزيمةُ؛ وذلكَ لأنَّ الفعلَ المأذونَ فيهِ إمَّا أنْ يكونَ الإذنُ فيهِ معَ قِيامِ دليلِ الْمَنْعِ منهُ، وإمَّا أنْ لا يكونَ. والأوَّلُ الرُّخْصَةُ، مثلُ: إباحةِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ في الْمَخْمَصةِ معَ قِيامِ دليلِ التحريمِ على أَكْلِ الْمَيْتَةِ. وكذلكَ المسْحُ على الْخُفَّيْنِ رُخصةٌ؛ لأنَّهُ أُبيحَ معَ قِيامِ الدليلِ الموجِبِ لِغَسْلِ الرجليْنِ. وكذلكَ الاستنجاءُ بالأحجارِ والجامداتِ مِثلِ الْخِرَقِ ونحوِها رُخصةٌ؛ لأنَّ ذلكَ جائزٌ معَ قِيامِ الدليلِ الدَّالِّ على وُجوبِ إزالةِ النجاسةِ بالماءِ.
والقِسمُ الثاني: العَزيمةُ، كَإِيجَابِ الصلاةِ والصومِ وغيرِهما ممَّا ليسَ لهُ مُعارِضٌ، وإنَّما لمْ يَتَعَرَّضْ في الكتابِ لذكْرِ الرُّخصةِ والعَزيمةِ؛ لأنَّ العَزيمةَ مُندَرِجَةٌ في الواجبِ، والرُّخصةَ قدْ تَكونُ مِنْ قِسْمِ الواجبِ، مِثلُ أكْلِ الْمَيْتَةِ في الْمَخْمَصةِ، وقدْ تكونُ مِنْ قِسمِ الْمُباحِ، كالمسْحِ على الْخُفَّيْنِ والاستنجاءِ بالجامدِ.
(فالواجبُ ما يُثابُ على فِعْلِهِ ويُعاقَبُ على تَرْكِهِ) .