منهما اسمُ هذا العلْمِ- أُصولٌ، والآخَرُ الفقْهُ. ومَعرِفَةُ المرَكَّبِ تَتوَقَّفُ على مَعرِفَةِ مُفرداتِهِ، ثمَّ على مَعْرِفَةِ فائدةِ النِّسبةِ بينَ المضافِ والمضافِ إليهِ؛ فلذلكَ ذَكَرَ معنى الأصلِ ثمَّ معنى الفِقْهِ.
قولُهُ: (فالأصْلُ ما بُنِيَ عليهِ غَيْرُهُ) .
هذا أَقْرَبُ تعريفٍ وَقَعَ في المشهورِ مِنْ كُتُبِ الأصولِ للأصلِ؛ فإنَّ الْمِثالَ الْحِسِّيَّ يَشْهَدُ لهُ؛ فإنَّ أَصْلَ الْجِدارِ أَساسُهُ الذي يُبْنَى عليهِ، وكذلكَ أَصْلُ الدارِ ما بُنِيَتْ قواعدُها عليهِ، وأصلُ الشجَرِ طَرَفُها النَّابِتُ في الأرضِ الذي عليهِ يُبْتَنَى أَعلاها وفُروعُها. وهذا التعريفُ أَقْرَبُ مِنْ قولِهم: أَصْلُ الشيءِ ما منهُ الشيءُ؛ فإنَّ الواحدَ مِن العَشَرَةِ وليْسَتْ أَصْلًا لهُ، وكذلكَ الجزءُ مِن الكلِّ، ولا يُقالُ: الكلُّ أَصْلٌ لأجزائِهِ.
ومِنْ قولِهم: الأصلُ هوَ المحتاجُ إليهِ؛ فإنَّ الشجرةَ مُحتاجةٌ إلى الثمرةِ مِنْ جِهةِ كمالِها، وليْسَت الثمرةُ أَصلًا للشجرةِ، وكذلكَ الأبُ مُحتاجٌ في كونِهِ أبًا إلى الابنِ، والابنُ محتاجٌ في كونِهِ ابنًا إلى أبٍ، فلوْ كانَ مُطْلَقُ الحاجةِ إلى الشيءِ يُوجِبُ كونَهُ أَصْلًا، كانَ كلُّ واحدٍ منهما أَصْلًا للآخَرِ، وذلكَ مُحالٌ.
قولُهُ: (والفرْعُ ما يُبْنَى على غَيْرِهِ) .
إنَّما ذَكَرَ الفرْعَ على سَبيلِ الاستطرادِ؛ فإنَّ الأصلَ يُقابِلُهُ الفرْعُ، فلَمَّا ذَكَرَ معنى الأصلِ أَتْبَعَهُ ببيانِ معنى الفرْعِ، فالمذهَبُ فَرْعٌ لهذا الفنِّ الْمُسَمَّى بأُصُولِ الفقهِ؛ فإنَّهُ مَبْنِيٌّ عليه، ومُرَتَّبٌ على قَواعِدِهِ.
(والفقْهُ مَعْرِفَةُ الأحكامِ الشرعيَّةِ التي طَريقُها الاجتهادُ) .
الفقْهُ في اللغةِ والفهْمُ بمعنًى واحدٍ، وأمَّا في اصطلاحِ العُلماءِ فالفِقْهُ مخصوصٌ بِمَعرِفَةِ الأحكامِ الشرعيَّةِ التي طَريقُها الاجتهادُ.
ولَمَّا كانت الأحكامُ تَنقسِمُ إلى: عَقليَّةٍ، كقولِنا: النفيُ والإثباتُ لا يَجتمعانِ ولا يَرتفعانِ، وكقولِنا: الجسْمُ الواحدُ لا يكونُ في حَيِّزَيْنِ مُتبايِنَيْنِ، وكقولِنا: الجزءُ لا يكونُ أَعظَمَ مِن الكلِّ، وغيرِ ذلكَ مِنْ قَضايَا العَقْلِ. وإلى أحكامٍ شَرعيَّةٍ، كقولِنا: التَّبْيِيتُ شَرْطٌ في صومِ رَمضانَ، والزكاةُ واجبةٌ في الْحُلِيِّ غيرِ المُبَاحِ، والقتلُ بالْمُثَقَّلِ يُوجِبُ القِصاصَ. قَيَّدَ الأحكامَ بالشرعيَّةِ؛ فإنَّ العالِمَ بالأحكامِ العقليَّةِ لا يُسَمَّى فَقيهًا في الاصطلاحِ.
ثم لَمَّا كانت الأحكامُ الشرعيَّةُ تَنْقَسِمُ إلى ما طَريقُهُ الاجتهادُ كما ذَكَرْناهُ مِنْ مَسائلِ الخلافِ، وإلى ما طريقُهُ القطْعُ، كقولِنا: الصلواتُ الخمسُ وَاجبةٌ، والزِّنَا مُحَرَّمٌ، والحَجُّ على المُسْتَطِيعِ فرْضٌ. ومَعرِفَةُ مِثلِ هذهِ الأحكامِ التي يُقْطَعُ بها، ويَشْتَرِكُ في مَعرِفَتِهَا الخاصُّ والعامُّ لا تُسَمَّى فِقْهًا؛ فلذلكَ قَيَّدَ الأحكامَ الشرعيَّةَ بقولِهِ: (التي طريقُها الاجتهادُ) ؛ فإنَّ الفقيهَ في عُرْفِ أهلِ العلْمِ هوَ العالِمُ بمسائلِ النظَرِ والاجتهادِ التي يَخْتَصُّ بِمَعرِفَةِ مَآخِذِها العلماءُ، وليسَ حَظُّ العَوامِّ منها سِوَى التقليدِ. وقدْ زادَ بعضُهم في هذا الْحَدِّ (العَمَلِيَّةِ) بعدَ قولِهِ: (الشرْعِيَّةِ) ، ولا حاجةَ إلى هذهِ الزيادةِ؛ فإنَّها ذُكِرَتْ لإخراجِ أحكامِ الاعتقادِ، وهيَ المسائلُ الكلاميَّةُ، كمسألةِ حَشْرِ الأجسادِ، ودوامِ النعيمِ في الْجِنَانِ، ودوامِ العذابِ في النارِ. والعلْمُ بهذهِ الأحكامِ طريقُهُ اليقينُ لا الاجتهادُ، ففي قولِهِ: (التي طريقُها الاجتهادُ) ، ما يُخْرِجُ هذهِ الأحكامَ.
والمعرِفةُ في قولِهِ: (مَعرِفَةُ الأحكامِ) ، معناها العلْمُ. وقدْ أَوْرَدَ القاضي أبو بكرٍ البَاقْلانيُّ على هذا سُؤَالًا فقالَ: الأحكامُ التي طريقُها الاجتهادُ غايَةُ المجتَهِدِ، فيها حُصولُ ظَنٍّ غالبٍ لهُ بما يَعْتَقِدُ منها، فكانَ الواجبُ أنْ يُقالَ في رَسْمِ الفِقْهِ:"الظنُّ بالأحكامِ الشرعيَّةِ"، ولا يُقالُ: العلْمُ والمعرِفَةُ. وأُجيبَ عنْ هذا السؤالِ بأنَّ طُرُقَ الأحكامِ الشرعيَّةِ مَعلومةٌ، وهيَ الأخبارُ والأَقْيِسَةُ، وإنَّما الظَّنُّ واقعٌ بالنِّسبةِ إلى آحادِ الصُّوَرِ. وحَقَّقَ بعضُهم هذا الجوابَ فقالَ: المجتهِدُ يَعْلَمُ بدليلٍ قَطْعِيٍّ أنَّ خبرَ الواحدِ