(والباطلُ ما لا يَتَعَلَّقُ بهِ النفوذُ ولا يُعْتَدُّ بهِ) .
الباطلُ مقابِلُ الصحيحِ، وبَطَلَ الشيءُ إذا ذَهَبَ، فالباطِلُ لَمَّا لَمْ يُفِد المقصودَ جُعِلَ كالشيءِ الهالِكِ، مِثلُ البيعِ بشرْطِ الخِيَارِ فوقَ ثلاثةِ أيَّامٍ، ونِكاحِ العبدِ الحُرَّةَ بشَرْطِ أنْ تكونَ رَقَبَتُهُ صَدَاقَها، ومُخالَعَةِ الصغيرةِ. فهذهِ عُقودٌ باطلةٌ، لا تُفيدُ مَقصودَها ولا يُعْتَدُّ بها، فأَحَدُ اللفظَيْنِ مِنْ قولِهِ: ما لا يَتَعَلَّقُ بهِ النفوذُ ولا يُعْتَدُّ بهِ، يَكْفِي كما تَقَدَّمَ في الصحيحِ، [واللَّهُ أَعْلَمُ] .
(والفِقْهُ أَخَصُّ مِن العِلْمِ) .
يَعني: في الاصطلاحِ.
وذلكَ أنَّ الفِقهَ في عُرْفِ العلماءِ إنَّما يُقَالُ على مَعرِفَةِ الأحكامِ الشرعيَّةِ كما تَقَدَّمَ، والعِلْمَ يُقالُ على ما هوَ أَعَمُّ مِنْ ذلك؛ فإنَّ كُلَّ مَنْ أَتْقَنَ صِناعةً عِلميَّةً مِنْ نَحْوٍ أوْ كلامٍ أوْ غيرِ ذلكَ، قيلَ لهُ: عالِمٌ بذلكَ الفَنِّ. والفقهُ نوعٌ مِنْ أنواعِ العلْمِ، فكُلُّ فِقهٍ عِلْمٌ، وليسَ كلُّ عِلْمٍ فِقْهًا، وكُلُّ فَقيهٍ عالِمٌ، وليسَ كلُّ عالِمٍ فَقِيهًا.
(والعلْمُ مَعرِفَةُ المعلومِ على ما هوَ بهِ) .
اختلَفَ الناسُ في العلْمِ، هلْ هوَ ممَّا يُدْرَكُ بالحَدِّ أمْ لا؟ ونَعنِي بالعلْمِ هنا الإدراكَ للشيءِ أيَّ شيءٍ كانَ، مِثلُ إدراكِ حقيقةِ الماءِ أوْ حقيقةِ النارِ ونحوِ ذلكَ، وليسَ المرادُ بالعلْمِ هنا ما يَتبادَرُ إلى الفَهْمِ مِنْ قولِنا: فلانٌ عالِمٌ. أمَّا مَنْ قالَ: العِلْمُ بمعنى الإدْرَاكِ [للشيءِ] لا يُحَدُّ، فاحْتَجَّ أصحابُ هذا المذْهَبِ بأشياءَ؛ منها أنَّ الحَدَّ يَكشِفُ عنْ حقيقةِ المحدودِ، وبالعلْمِ تُكْشَفُ الأشياءُ، فلوْ حُدَّ العلْمُ بغيرِ العلْمِ كانَ غيرُ العلْمِ كاشِفًا، وذلكَ مُمْتَنِعٌ، ولوْ حُدَّ بالعلْمِ لَزِمَ تعريفُ الشيءِ بنفسِهِ. وهذا المذْهَبُ مالَ إليهِ إمامُ الحرمَيْنِ، وأشارَ إليهِ في كتابِهِ البُرهانِ، وصَرَّحَ بهِ فَخْرُ الدِّينِ بنُ الخطيبِ. وأمَّا القولُ بأنَّ العلْمَ ممَّا يُدْرَكُ بالحَدِّ، فهوَ مَذهَبُ المتقدِّمينَ مِنْ أهلِ الكلامِ، وقدْ ذَكَروا حُدودًا كثيرةً أَقْرَبُها هذا المذكورُ في الكتابِ.
والمعرِفَةُ بمعنى العلْمِ، و [قدْ] قالَ: (المعلومُ) ؛ لِيَعُمَّ المحدودَ الموجودَ والمعدومَ على ما هوَ بهِ، يعني: أنْ يُدْرِكَ الإنسانُ الشيءَ إدراكًا مُطابِقًا لِمَا ذلكَ الشيءُ عليهِ في الخارِجِ.
(والجهْلُ تَصَوُّرُ الشيءِ على خِلافِ ما هوَ بهِ) .
الجهلُ قِسمانِ: جَهْلٌ مُرَكَّبٌ، وجَهلٌ بَسِيطٌ. فالجهْلُ البسيطُ مَعناهُ عَدَمُ العلْمِ، وسُمِّيَ بَسيطًا؛ لأنَّهُ لا تَركيبَ فيهِ، إنَّما هوَ شيءٌ واحدٌ وهوَ عَدَمُ العلْمِ، وهذا كعَدَمِ عِلْمِنا بما تحتَ الأَرَضِينَ، وبما في بُطونِ البِحارِ مِن الحيواناتِ.
والجهْلُ المرَكَّبُ: هوَ اعتقادُ كونِ الشيءِ على أَمْرٍ، وذلكَ الشيءُ بخِلافِ ما اعْتَقَدَهُ ذلكَ المُعْتَقِدُ، مثلُ اعتقادِ الْمُجَسِّمَةِ أنَّ البارِيَ سُبحانَهُ وتعالى جِسْمٌ، واعتقادِ المعتزِلَةِ أنَّهُ لا يُرَى في الآخِرَةِ، واعتقادِ الْجَهْمِيَّةِ أنَّ مُجَرَّدَ التلَفُّظِ بكلمةِ الإسلامِ يَكْفِي في كَوْنِ الإنسانِ مُسلمًا مِنْ غيرِ اعتقادٍ ولا عَمَلٍ. وسُمِّيَ هذا الجهْلُ مُرَكَّبًا؛ لأنَّهُ مِنْ جُزْئَيْنِ؛ أحدُهما: عَدَمُ العلْمِ، والآخَرُ: اعتقادٌ غيرُ مطابِقٍ. فمتى اجْتَمَعَ للإنسانِ في شيءٍ هذانِ الأمرانِ، فكانَ غيرَ عالِمٍ بالشيءِ، واعتَقَدَ فيهِ اعتقادًا غيرَ مُطابِقٍ، كانَ جاهلًا جهلًا مُرَكَّبًا. فالمرادُ بقولِهِ: (الجهلُ تَصَوُّرُ الشيءِ على خِلافِ ما هوَ بهِ) ، الجهْلُ المُرَكَّبُ فَقَطْ.
(والعلْمُ الضروريُّ ما لمْ يَقَعْ عنْ نَظَرٍ واستدلالٍ، كالعلْمِ الواقعِ بإِحْدَى الحواسِّ الخمْسِ) .