الصفحة 14 من 53

يَعْنِي: أنَّ الأمرَ الْمُجَرَّدَ إذا وَرَدَ، كَفَى في الخُرُوجِ عنْ عُهْدَتِهِ فعْلُ المأمورِ مَرَّةً واحدةً. وهذا هوَ المختارُ؛ لأنَّ الأمرَ المجرَّدَ لو اقْتَضَى التَّكرارَ لاقتضاهُ إمَّا دائمًا بحيثُ لا يَخْلُو المكلَّفُ منهُ سِوَى أَوْقَاتِ الضرورةِ، وذلكَ خارجٌ عن الطاقةِ، ولا سبيلَ إليهِ. وإمَّا أنْ يَقتضِيَهُ لا دائمًا، فيكونُ تخصيصُ بعضِ الأوقاتِ بالفعْلِ تَرجيحًا مِنْ غيرِ مُرَجِّحٍ، ولأنَّ مُقْتَضَى الصيغةِ تَحصيلُ المأمورِ بهِ، وذلكَ يَتَحَقَّقُ بالمَرَّةِ الواحدةِ، فالأصلُ بَراءةُ الذِّمَّةِ ممَّا زَادَ. وظاهرُ كلامِهِ أنَّهُ لا فَرْقَ بينَ الأمرِ المُطْلَقِ والأمرِ المُقَيَّدِ بوَقْتٍ، مِثلُ قولِهِ تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} . ومِنْ أصحابِنا مَنْ قالَ: الأمرُ المُطْلَقُ لا يَقتضِي التَّكرارَ، [والْمُقَيَّدُ بوقتٍ أوْ سَببٍ يَقتضِي التَّكرارَ بِتَكَرُّرِ ذلكَ الوقتِ أو السبَبِ] . والأمرُ الذي دَلَّ الدليلُ على أنَّهُ للتَّكرارِ، مِثلُ الأمرِ بالصلاةِ والأمرِ بصوْمِ رَمضانَ.

(ولا يَقْتَضِي الفَوْرَ؛ لأنَّ الغَرَضَ منهُ إيجادُ الفعْلِ مِنْ غيرِ اختصاصٍ بالزمانِ الأوَّلِ دونَ الزمانِ الثانِي) .

وهذهِ المسألةُ فَرْعٌ على التي قَبْلَها، وذلكَ أنَّ مَنْ قالَ: إنَّ الأمرَ للتَّكرارِ، قالَ: إنَّهُ يَقْتَضِي الفَوْرَ؛ فإنَّ الفعلَ في الزمانِ الماضي بعدَ الْخِطابِ مُمْكِنٌ، وهوَ مُتناوِلٌ لهُ، فيَجِبُ الفعلُ ليَتحَقَّقَ التَّكرارُ [بحَسَبِ الطاقةِ. ومَنْ قالَ: لا يَقتضِي التَّكرارَ] اختَلَفُوا في اقتضائِهِ الفَوْرَ، فقالَ قومٌ: يَقتضِي الفَوْرَ لقولِهِ تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} ، وكلُّ ما أَمَرَ الشرْعُ بهِ فهوَ مِن الخيراتِ، فتَجِبُ المبادَرَةُ إليهِ. وأُجيبَ عنْ هذا بأنَّ المرادَ بالخيراتِ الجنَّةُ وما أُعِدَّ فيها، والمعنى: بادِرُوا إلى الجنَّةِ بفِعْلِ الطاعاتِ، وقيلَ: معنى الآيَةِ التحريضُ على المُبَادَرَةِ في الطاعاتِ والمسابَقَةِ إليها، وذلكَ غيرُ ما نحنُ فيهِ مِنْ وُجوبِ تَعجيلِ الامتثالِ، واحْتَجُّوا على الفَوْرِيَّةِ أيضًا بأنَّ التأخيرَ لوْ جازَ لجازَ إمَّا إلى غايَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وإمَّا إلى غايَةٍ غيرِ مُعَيَّنَةٍ، والقِسمانِ باطلانِ؛ فالقولُ بِجَوازِ التأخيرِ باطلٌ. بيانُ الأوَّلِ أنَّ التأخيرَ لوْ جازَ فإِمَّا أنْ يُعْلَمَ الوقتُ الذي إذا خَرَجَ عنهُ أَثِمَ الْمُكَلَّفُ أوْ لا، والأوَّلُ التأخيرُ إلى غايَةٍ مُعَيَّنَةٍ، والثاني التأخيرُ إلى غايَةٍ غيرِ مُعَيَّنَةٍ. بيانُ بُطلانِ القِسمَيْنِ: أمَّا الأوَّلُ فِلَأَنَّ جوازَ التأخيرِ إلى وقتٍ مَعلومٍ إحالةٌ للمسألةِ؛ فإنَّ الكلامَ في الأمْرِ الْمُجَرَّدِ، وإذا كانَ آخِرُ وقتِ التأخيرِ مُعَيَّنًا كانَ ذلكَ أَمْرًا مُقَيَّدًا بوقتٍ مُعَيَّنٍ، وليسَ الكلامُ فيهِ. وأمَّا القِسْمُ الثاني وهوَ التأخيرُ إلى غيرِ مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ فباطلٌ؛ فإنَّ ذلكَ تَجهيلٌ لا يُناسِبُ التكْليفَ. وأُجيبَ بأنَّهُ يَجُوزُ للمكلَّفِ التأخيرُ بشَرطِ سلامةِ العاقبةِ. وما ذَكَرَهُ مِن الدليلِ لعَدَمِ الفَوْرِ يَصْلُحُ دليلًا لعَدَمِ التَّكرارِ؛ فإنَّ الأمرَ يَقتضِي إيجادَ الفعلِ، وذلكَ يَتحقَّقُ بالإيجادِ مَرَّةً واحدةً، ولا خُصوصيَّةَ لهُ بالزمانِ. وقَطَعَ الشيخُ أبو إسحاقَ في لُمَعِهِ بوُجُوبِ العزْمِ على الامتثالِ على الفَوْرِ. وقالَ ابنُ بُرهانَ في وَجِيزِهِ في الأصولِ: العزْمُ تابعٌ للفعْلِ، فإنْ كانَ المعزومُ عليهِ على الفَوْرِ كانَ العزْمُ على الفَوْرِ، وإنْ كانَ على التَّرَاخِي [كانَ على التَّرَاخِي] .

(والأمرُ بإيجادِ الفعْلِ أمْرٌ بهِ، وبما لا يَتِمُّ الفعلُ إلَّا بهِ، كالأمرِ بالصلاةِ أَمْرٌ بالطهارةِ المُؤَدِّيَةِ إليها) .

هذا هوَ المشهورُ مِنْ كلامِ الفُقهاءِ، ويُعَبِّرونَ عنْ هذا المعنى بأنَّ ما لا يَتِمُّ الواجبُ إلَّا بهِ يكونُ واجبًا. وهذا في الأُمُورِ الْحِسِّيَّةِ، فالأمْرُ بصُعودِ السطْحِ مَثَلًا يكونُ أَمْرًا بنَصْبِ الْمِرْقَاةِ إليها؛ لأنَّ الصعودَ بدُونِ ذلكَ مُحالٌ، وكذلكَ الأمرُ برَفْعِ سقْفٍ أمْرٌ بنصْبِ عُمُدٍ أوْ جِدارٍ يكونُ حاملًا لذلكَ السقْفِ؛ لأنَّ إيجادَ سَقْفٍ بدونِ شيءٍ يَعتمِدُ عليهِ فيما عَهِدْناهُ مُحالٌ. وفي الشرعيَّاتِ ما ذَكَرَهُ مِن الطهارةِ والصلاةِ؛ فإنَّ الصلاةَ لا تَصِحُّ بدونِ الطهارةِ، فيكونُ الأمرُ بالصلاةِ أَمْرًا بالطهارةِ. ودَليلُ هذا أنَّ المقصودَ مِن الأمرِ إيجادُ الفعلِ، فلوْ لمْ يكُن الأمرُ بالفعْلِ أمرًا بما يَتَوَقَّفُ الفعلُ عليهِ لَزِمَ الأمرُ بالفعلِ حالَ عَدَمِ الشرْطِ، وذلكَ تكليفٌ بما لا يُطاقُ. وقيلَ: لا يُستفادُ الأمرُ بالشرْطِ مِن الأمرِ بالمَشْرُوطِ؛ لأنَّ الأمرَ مُطْلَقٌ غيرُ مُقَيَّدٍ بِحالِ وُجودِ الشرْطِ ولا بحالِ عَدَمِهِ، وقدْ وَرَدَ تارةً معَ الأمرِ بالشرطِ كما في الطهارةِ والصلاةِ، وتارةً بدُونِهِ كالأمرِ بالحَجِّ بشَرْطِ الاستطاعةِ، وبالزَّكَاةِ بشرْطِ مِلْكِ النِّصابِ؛ فإنَّهُ لا يَجِبُ على المكلَّفِ تحصيلُ أسبابِ الاستطاعةِ ولا تَحصيلُ مِلْكِ النِّصابِ، فوَجَبَ جَعْلُ مُطْلَقِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت