الصفحة 13 من 53

هوَ مُتَوَقِّفٌ عليهِ. وقالَ آخَرونَ: (الأمرُ صِيغةُ افْعَلْ مُجَرَّدَةً) . وفي هذا حَصْرُ الأمرِ في اللغةِ العربيَّةِ، ولا شَكَّ أنَّ كلَّ ما قامَ مَقامَ افْعَلْ في سائرِ اللغاتِ أَمْرٌ. وأمَّا الرسْمُ المذكورُ في الكتابِ فقد اختارَهُ جماعةٌ، وقالُوا: الاستدعاءُ يكُونُ تارةً طَلَبَ الفعْلِ وتارةً طَلَبَ الترْكِ، فالأمرُ هوَ طَلَبُ الفعلِ. وقالُوا: بالقَوْلِ؛ لتَخْرُجَ الكتابةُ والإشارةُ. وقالُوا: مِمَّنْ هوَ دُونَهُ؛ لأنَّ الطلَبَ عندَ القُدماءِ إنْ كانَ مِن الأَعْلَى إلى الأَدْنَى كانَ أَمْرًا، وإنْ كانَ مِن الْمِثْلِ إلى الْمِثْلِ كانَ التِمَاسًا، وإنْ كانَ مِن الأَدْنَى إلى الأعلى كانَ دُعاءً وتَضَرُّعًا ورَغبةً. وقالَ طائفةٌ مِن المُتَأَخِّرينَ: (حقيقةُ الأمرِ مَعلومةٌ لكلِّ عاقلٍ فهيَ غَنِيَّةٌ عن الرسْمِ والتعريفِ) ، واحْتَجُّوا بأنَّ كلَّ عاقلٍ يُدْرِكُ الفرْقَ بينَ قامَ وقُمْ بالبَدِيهَةِ، والفرْقُ بينَ الشيئَيْنِ مَوقوفٌ على تَصَوُّرِهما، فإذا كانَ الفرْقُ بينَهما بَدِيهِيًّا كانَ تَصَوُّرُهما كذلكَ. وقيلَ: المُحْتَرَزُ عنهُ بقولِهم: استدعاءُ الفعْلِ هوَ الاستفهامُ، مِثلُ قولِكَ: ما كذا؟ فإنَّهُ طَلَبُ قَوْلٍ لا فِعْلٍ. وهذا يَلْزَمُ عليهِ أنْ يكُونَ قولُ القائلِ: (قُلْ) ، ليسَ أمرًا؛ فإنَّهُ استدعاءُ قولٍ لا فِعْلٍ. وقولُهُ: (على سبيلِ الوُجوبِ) ، إنْ أرادَ بهِ أنْ يكونَ بصِيغةِ الوُجوبِ وهوَ صِيغةُ الاستعلاءِ، فهوَ مَذهَبٌ قالَ بهِ بعضُهم. والمذاهِبُ في العُلُوِّ والاستعلاءِ ثلاثةٌ: مَذْهَبُ القُدماءِ: اعتبارُ العُلُوِّ فَقَطْ، وقدْ تَقَدَّمَ تَفصيلُ قولِهم. ومَذْهَبُ طائفةٍ مِن المتأخِّرينَ: اعتبارُ الاستعلاءِ في الصيغةِ فَقَطْ. ومَذهبٌ ثالثٌ، وهوَ الذي حَمَلَ عليهِ قولَهُ في الكتابِ (على سبيلِ الوُجوبِ) : الجمْعُ بينَ العُلُوِّ والاستعلاءِ. والظاهرُ مِنْ هذهِ المذاهِبِ الثلاثةِ الاكتفاءُ بالاستعلاءِ؛ فإنَّ العبدَ إذا أَمَرَ سَيِّدَهُ مُستَعْلِيًا عليهِ في الصيغةِ يُسْتَحْمَقُ، وكذلكَ الوَضِيعُ مِن الناسِ إذا أَمَرَ الْمَلِكَ أوْ أَحَدَ الأشرافِ مُسْتَعْلِيًا [عليهِ] عُدَّ أحمقَ واستُقْبِحَ منهُ ذلكَ، ولولا تَحَقُّقُ الأمرِ منهُ لمْ يكُنْ للاستقباحِ وَجْهٌ، ولا يَصِحُّ أنْ يُحْمَلَ قولُهُ: (على سبيلِ الوُجوبِ) ، على أنَّ معناهُ إرادةُ الوُجوبِ بالصيغةِ؛ فإنَّ ذلكَ مَذهَبٌ يُحْكَى عنْ بعضِ المُعْتَزِلَةِ، وقدْ صَرَّحَ في الكتابِ بخِلافِهِ في قولِهِ: (وعندَ التجَرُّدِ يُفيدُ الأمرُ [الوُجوبَ] ) ، فلوْ كانت الإرادةُ شَرْطًا لمْ تكُن الصيغةُ الْمُجَرَّدَةُ مُفيدةً.

(وصِيغتُهُ افْعَلْ، وعندَ الإطلاقِ والتجَرُّدِ عن القرينةِ يُحْمَلُ عليهِ إلَّا ما دَلَّ الدليلُ على أنَّ المرادَ منهُ الندْبُ أو الإباحةُ فيُحْمَلُ عليْهِ) .

يعني: صِيغةُ الأمْرِ بِلُغَةِ العربِ افْعَلْ، وإذا كانتْ مُجَرَّدَةً عن القرائنِ حُمِلَتْ على الوُجوبِ. وقولُهُ: إلَّا ما دَلَّ الدليلُ على أنَّ المرادَ منهُ الندْبُ أو الإباحةُ فيُحْمَلُ عليهِ، استثناءٌ مِنْ غيرِ الجنْسِ؛ فإنَّ ما دلَّ الدليلُ على صَرْفِهِ عنْ [الأمرِ ليسَ] مُجَرَّدًا، ويُمْكِنُ أنْ يكونَ استثناءًا مُتَّصِلًا، ويكونَ المعنى أنَّ الصيغةَ الْمُجَرَّدَةَ للوُجوبِ إلَّا أنْ يُعْلَمَ بدليلٍ مُنْفَصِلٍ [خُرُوجُها عنهُ، فقدْ تكونُ الصيغةُ مُجَرَّدَةً عن القرائنِ الحاليَّةِ والمقالِيَّةِ الصارفةِ الصيغةَ عن الأمرِ، ويُعْلَمُ بدليلٍ مُنْفَصِلٍ أنَّها ليستْ للأمرِ، فالمُسْتَثْنَى مِن الصيغةِ الْمُجَرَّدَةِ التي خَرَجَتْ عن الأمرِ بدليلٍ مُنْفَصِلٍ. ومِثالُ الصيغةِ الْمُجَرَّدَةِ التي خَرَجَت عن الأمرِ بدليلٍ مُنْفَصِلٍ قولُهُ تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} ، هذهِ صِيغةُ أَمْرٍ بالشهادةِ مُجَرَّدَةٌ عنْ مُعارِضٍ، حَمَلَها الفُقهاءُ على الندْبِ بما رَأَوْهُ صارِفًا لها عن الوُجوبِ، وهوَ قولُهم: إنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ باعَ ولمْ يُشْهِدْ، واشْتَرَى ولمْ يُشْهِدْ، فحَمَلُوا الصيغةَ على النَّدْبِ. وقولُهُ تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} عندَ مَنْ يَرَى أنَّ الأمرَ الواردَ بعدَ الحظْرِ للإباحةِ، ممَّا صُرِفَ عن الوُجوبِ بقَرينةٍ، فلَيْسَتْ صِيغةُ الأمرِ فيهِ مُجَرَّدَةً. وأمَّا مَنْ لا يَرَى الأمرَ الواردَ بعدَ الحظْرِ للإباحةِ، فإنَّهُ عندَهُ مِنْ بابِ قولِهِ تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} ، صيغةٌ مُجَرَّدَةٌ عُرِفَ بدليلٍ مُنْفَصِلٍ خُرُوجُها عن الوجوبِ إلى الإباحةِ. والدليلُ المنفصِلُ هوَ اتِّفاقُ أهلِ العلْمِ على عَدَمِ وُجوبِ الاصْطِيَادِ. وكذلكَ قولُهُ تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} ؛ فإنَّ الانتشارَ كانَ حَرامًا قبلَ انقضاءِ الصلاةِ، فالأمْرُ بالانتشارِ بعدَ انقضائِها أمْرٌ بعدَ الحَظْرِ، ففيهِ ما تَقَدَّمَ في قولِهِ تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} .

(ولا يَقتضِي التَّكْرَارَ على الصحيحِ إلَّا إذا دَلَّ الدليلُ عليْهِ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت