الصفحة 12 من 53

والمجازُ بالنقْلِ كالغائطِ، أَصْلُ هذهِ الكلمةِ في اللُّغَةِ المكانُ المُطْمَئِنُّ بينَ مُرتَفِعَيْنِ، وكانَ الذي يَقْضِي الحاجةَ يَقْصِدُ ذلكَ كثيرًا طَلَبًا للتَّسَتُّرِ، فلَمَّا أَرَادُوا الكِنايَةَ عن الفَضلةِ سَمَّوْها باسمِ المكانِ الذي تُلازِمُهُ، ثمَّ اشْتُهِرَ هذا الاستعمالُ حتَّى صارَ المُتَبَادَرُ [إلى الذهْنِ] وإلى كثيرٍ مِن الأفهامِ عندَ إطلاقِ هذا النوعِ مِنْ مَجازِ اللفظِ هوَ الفَضْلَةَ لا المكانَ المذكورَ.

والمجازُ بالاستعارةِ كقولِهِ تعالى: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} . هذا النوعُ مِن المجازِ يُقالُ لهُ: استعارةٌ وتَشبيهٌ. ووَجهُ الاستعارةِ في الآيَةِ أنَّ الإرادةَ إنَّما تكونُ لذي حياةٍ، فأمَّا الْجَمادُ فلا إرادةَ لهُ، والجدارُ جَمادٌ يَستحيلُ منهُ الإرادةُ، لكنَّهُ لَمَّا مالَ وقارَبَ الوقوعَ صَارَ في صورةِ الْمُريدِ للوقوعِ؛ لأنَّ كلَّ حَيٍّ أَرادَ شَيئًا قارَبَ فِعْلَهُ، فاستُعِيرَ للجِدارِ صِفةُ الإرادةِ لَمَّا ظَهَرَ عليهِ صورةُ إرادةِ الانقضاضِ، وهيَ مُقارَبَتُهُ بالْمَيْلِ إليهِ.

ورُبَّما يُتَوَهَّمُ مِنْ هذا التقسيمِ أنَّ كلَّ قِسْمٍ مُقابِلٌ للآخَرِ، وليسَ الأمرُ كذلكَ، بلْ هذهِ القِسمةُ مُتداخِلَةٌ؛ فإنَّ النقْلَ يَعُمُّ جَميعَ أنواعِ المجازِ إذا أُطْلِقَ النقْلُ بمعناهُ اللُّغويِّ، وهوَ تَحويلُ اللفظِ مِنْ حالٍ إلى حالٍ. وبيانُ ذلكَ في هذهِ الأمثلةِ أنَّ قولَهُ تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ، منقولٌ؛ لأنَّهُ نُقِلَ مِن الدَّلالةِ على نَفْيِ مِثْلِ الْمِثْلِ إلى نَفْيِ الْمِثْلِ. وقولُهُ: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} ، نُقِلَ مِن الدَّلالةِ على سؤالِ القريَةِ إلى سؤالِ أهلِ القريَةِ. وكذلكَ لفظُ الغائطِ نُقِلَ مِن المكانِ الْمُطْمَئِنِّ إلى فَضْلَةِ الإنسانِ. وكذلكَ قولُهُ تعالى: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} ، نُقِلَ مِن الإخبارِ عن الإرادةِ الحقيقيَّةِ التي هيَ إرادةُ الحيِّ إلى صُورةٍ ظاهرةٍ تُشْبِهُ صورةَ المُريدِ. فالمجازُ كلُّهُ نَقْلُ اللفظِ عنْ موضوعِهِ الأوَّلِ، وذلكَ قدْ يكونُ معَ بَقاءِ اللفظِ بصورتِهِ مِنْ غيرِ تَغييرٍ، وهذا المجازُ العارِضُ في الألفاظِ المفرَدَةِ كنَقْلِ لفظِ الأسدِ مِن الحيوانِ المفتَرِسِ إلى الرجُلِ الشجاعِ. وقدْ يكونُ ذلكَ النقْلُ معَ تغييرٍ يَعْرِضُ لِلَّفْظِ، وهوَ المجازُ العارضُ للألفاظِ المرَكَّبَةِ. وقدْ يكونُ ذلكَ بزيادةِ لفظٍ في الكلامِ [وقدْ يكونُ ذلكَ بنُقصانِ لفظٍ] ، وقدْ يكونُ بإسنادِ كلمةٍ إلى ما لا يُسْنَدُ إليهِ، كقولِهم: (أَحْيَانِي زَيْدٌ برُؤْيَتِهِ) ؛ فإنَّ إسنادَ الإحياءِ إلى زيدٍ مَجازٌ، وإنَّما الإحياءُ حقيقةٌ مِن اللَّهِ تعالى، وإنَّما المرادُ بهذا الكلامِ الإخبارُ عنْ غايَةِ الابتهاجِ والسرورِ برُؤْيَةِ زيدٍ، بحيثُ ضَاهَى ذلكَ الحياةَ التي [يكُونُ] بها وُجودُ الإنسانِ. ومِنْ هذا قولُهُ تعالى: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} ، فالجِدارُ لا يُخْبَرُ عنهُ بالإرادةِ لِمَا تَقَدَّمَ، وإنَّما المرادُ الإخبارُ عنْ مُقارَبَةِ الجدارِ الوُقوعَ.

وفيما ذَكَرَهُ مِن التقسيمِ بَحْثٌ آخَرُ، وهوَ أنَّهُ عَدَّ لفظَ الغائطِ مِنْ أقسامِ المجازِ، وسَمَّاهُ مَجازًا بالنقْلِ، وهذا إنَّما يَتِمُّ على قولِ مَنْ أَنْكَرَ الحقائقَ العُرفيَّةَ، ورَسَمَ الحقيقةَ بأنَّها ما بَقِيَ على موضوعِهِ، فتكونُ الألفاظُ العُرفيَّةُ مَجازًا مِن الحقائقِ اللُّغويَّةِ. وأمَّا مَنْ أَثْبَتَ الحقائقَ العُرفيَّةَ، فلفْظُ الغائطِ عندَهُ حقيقةٌ عُرفيَّةٌ، ولا فَرْقَ بينَهُ وبينَ لفظِ الدَّابَّةِ؛ فإنَّ كلَّ واحدٍ منهما صارَ في العُرْفِ ظاهرَ الدَّلالةِ على معنًى غيرِ مَوضوعِهِ الأوَّلِ. وهذا القولُ أَظْهَرُ؛ فإنَّ المعنى الثانِيَ صارَ أَسبقَ للفَهْمِ مِن المعنى الأَوَّلِ بحيث يُفْهَمُ مِنْ غيرِ قَرينةٍ، والمجازُ شَرْطُهُ تَوَقُّفُ فَهْمِهِ على قَرينةٍ. والنقْلُ في عُرْفِ أهلِ هذا الشأنِ مُقابِلٌ للمجازِ، وليسَ قِسْمًا منهُ؛ فإنَّهُم قالُوا: اللفظُ الدَّالُّ على مَعنيَيْنِ فأكثرَ إنْ كانَ دَالًّا على الجميعِ بالوَضْعِ الأوَّلِ كانَ مُشْتَرَكًا، وإنْ لمْ يكُنْ كذلكَ، فإمَّا أنْ تَصيرَ دَلالتُهُ على الثاني أَظهرَ أوْ لا، والأوَّلُ المنقولُ، والثاني المجازُ.

(والأمرُ هوَ استدعاءُ الفعْلِ بالقولِ مِمَّنْ هوَ دُونَهُ على سَبيلِ الوُجوبِ) .

اخْتَلَفَ الأُصولِيُّونَ في أنَّ حقيقةَ الأمرِ بمعنى القولِ مُدْرَكَةٌ بالْبَدِيهَةِ أمْ تَحتاجُ إلى رَسْمٍ مُعَرِّفٍ؟ فالمُتَقَدِّمونَ على أنَّها ممَّا يَدْخُلُ تحتَ الرسومِ، وقدْ ذَكَرُوا رُسومًا؛ منها قولُ بعضِهم:"هوَ القولُ المُقْتَضِي طاعةَ المأمورِ". وهذا رَسْمٌ فاسِدٌ؛ فإنَّ المأمورَ مُشْتَقٌّ مِن الأمْرِ، فإنَّهُ اسْمُ مفعولٍ، ومتى أُخِذَ في الرسْمِ أو الحَدِّ شيءٌ مُشْتَقٌّ مِن المحدودِ فَسَدَ الْحَدُّ؛ فإنَّهُ يَصيرُ تَعريفًا للشيءِ بما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت