الصفحة 15 من 53

الأمرِ للقَدْرِ المشترَكِ بينَ هذيْنِ القِسمَيْنِ مِنْ غيرِ دَلالةٍ على خُصوصيَّةِ أحدِهما. وهذا الخِلافُ إنَّما يَتِمُّ على قولِ مَنْ يقولُ: لا يَجوزُ تَكليفُ ما لا يُطاقُ.

فأمَّا مَنْ أجازَ تكليفَ ما لا يُطاقُ فإنَّهُ يُجَوِّزُ الأمرَ بالشيءِ حالَ عَدَمِ شَرْطِهِ.

(وإذا فُعِلَ يَخْرُجُ المأمورُ عن العُهْدَةِ) .

وفي نُسخةٍ: (وإذا فَعَلَهُ المأمورُ يَخرُجُ عن العُهْدَةِ) .

هذهِ المسألةُ مُتَرْجَمَةٌ في أكثرِ الكتُبِ بأنَّ الأمرَ يَقتضِي إجزاءَ المأمورِ بهِ، والمرادُ أنَّ المكلَّفَ إذا أُمِرَ بشيءٍ فَفَعَلَهُ كما أُمِرَ بهِ حُكِمَ بخُرُوجِهِ عن العُهْدَةِ، وهذا معنى الإِجْزَاءِ. وقالَ قومٌ: إنَّما يُحْكَمُ بالإجزاءِ بخِطابٍ مُتَجَرِّدٍ يَدُلُّ على الخروجِ عن العُهدةِ، والدليلُ على المختارِ، وهوَ الحُكْمُ بالإجزاءِ بفِعْلِ المأمورِ بهِ أنَّ الأصلَ بَرَاءَةُ الذمَّةِ، والأمرُ لمْ يَقْتَضِ أكثرَ مِنْ ذلكَ الفعْلِ، فإذا أتى المُكَلَّفُ بهِ حُكِمَ ببراءةِ ذِمَّتِهِ عَمَلًا بالأصلِ، وقولُهُ: (وإذا فُعِلَ) ، بضَمِّ الفاءِ مَبْنِيًّا للمفعولِ، يَخْرُجُ المأمورُ عن العُهْدَةِ يعني إذا فُعِلَ الفعلُ المأمورُ بهِ خَرَجَ المأمورُ عن العُهْدَةِ. وأمَّا النُّسخةُ الأُخْرَى: (وإذا فَعَلَهُ المَأْمُورُ يَخْرُجُ عن العُهْدَةِ) ، فمِثْلُ الأُولى في المعنى، والضميرُ في فِعْلِهِ للفعلِ المَذْكُورِ في قولِهِ: الأمرُ بالفعلِ أَمْرٌ بهِ.

(الذي يَدْخُلُ في الأمرِ والنهيِ وما لا يَدْخُلُ) .

هذهِ تَرجمةٌ مَعناها الكلامُ على بيانِ مَنْ يَتناوَلُهُ [الْخِطابُ؛ أيْ] : خِطابُ التكليفِ، ومَنْ لا يَتناوَلُهُ ذلكَ، والقصْدُ بيانُ المكلَّفِ مِنْ غَيْرِهِ.

(يَدْخُلُ في أَمْرِ اللَّهِ تعالى المؤمنونَ. والسَّاهِي والمجنونُ والصبِيُّ غيرُ داخِلِينَ في الْخِطابِ) .

لمْ يَرِد الخطابُ المُتَعَلِّقُ بالإيمانِ، بل الْخِطابُ بالفُرُوعِ؛ فإنَّ في مُخاطَبَةِ الكُفَّارِ بها خِلافًا سيأتي [في كلامِهِ] . وأمَّا التكليفُ بأُصُولَ الدِّينِ؛ فإنَّ مَنَاطَهُ العَقْلُ، وسيأتي في كلامِهِ ما يَدُلُّ على ذلكَ.

ولكنْ لَمَّا كانَ الفِقْهُ موضوعُهُ الأحكامُ الفَرعيَّةُ، وهذا الفَنُّ مَرسومٌ بأُصُولِهِ، كانَ الغرَضُ كأنَّهُ مَقصورٌ على ما يَتَعَلَّقُ بالفروعِ، وذلكَ الْخِطابُ الذي يَتعلَّقُ بالمؤمنينَ العاقلينَ البالغينَ.

والساهي غيرُ مُخاطَبٍ في حالِ سَهْوِهِ؛ لأنَّهُ غيرُ فاهِمٍ للخِطابِ، وشَرْطُ الْخِطابِ الفَهْمُ، فإنْ قيلَ: أليسَ سُجودُ السهْوِ مَشروعًا للساهِي فَقَدْ كُلِّفَ، وكذلكَ مَنْ أَتْلَفَ شيئًا ساهيًا ضَمِنَهُ، قيلَ: ليسَ ذلكَ تَكليفًا للساهِي، وإنَّما ذلكَ أَمْرٌ لهُ بَعْدَ ذَهابِ السهْوِ عنهُ بتَدَارُكِ ما فاتَهُ أوْ جَبْرِ ما أَتْلَفَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت