ونعلم ومثله كثير، وكان الكلحبة نزل بزرود وهي أرض بني مالك بن حنظلة، وهو رجل من يربوع، فأغارت بنو تغلب على بني مالك وقد سقيت فرس الكلحبة الفراغ أجمع وهو حوض عظيم من أدم، فأخبر بشرب فرسه، فجاء النذير فقال لكأس ابنته ألجمي العرادة، ثم ركب فاستنقذ ما أخذ القوم وأفلته حزيمة وهو رئيس القوم، وذلك قوله: فقد تركت ما خلف ظهرك بلقعا، والعرب لا تثق بأحد في خيلها إلا بأولادها ونسائها، قال عمرو بن كلثوم:
يقتن جيادنا ويقلن لستم ... بعولتنا إذا لم تمنعونا
وقال أبو زبيد:
تقوت أفراسهم بناتهم ... يزجون أجمالهم مع الغلس
فشعر الكلحبة يشهد لحزيمة بالانفلات بنفسه وشعر جرير يشهد بأسره وهو قوله:
قدنا حزيمة قد علمتم عنوة ... وشتا الهذيل يمارس الأغلالا
هو الهذيل بن هبيرة التغلبي.
2 ونادى منادي الحي أن قد أتيتم ... وقد شربت ماء المزادة أجمعا
لم يقل أبو عكرمة في هذا البيت شيئًا أكثر من شرب الماء وروي:
ونادى منادي الحي أن قد فزعتم، يقول أتاهم الصريخ وقد شربت فرسه ملء الحوض ماء فساءه ذلك، قال وخيل العرب إذا علمت أنه يغار عليها وكانت عطاشًا فمنها ما يشرب بعض الشرب ولا يروى بعضها لا يشرب البتة لما قد جربت من الشدة التي تلقى إذا شربت الماء، وحورب عليها، ومنه قول طفيل الغنوي:
نزلنا فسمناها النطاف فشارب ... قليلًا وآب صد عن كل مشرب
وصف خيلًا علمت أنه يغار عليها فامتنعت من الماء لما قد جربت إذا شربت من شدة ما يمر بها، فيقول الكلحبة لولا شرب العرادة الماء لم يفتني حزيمة، وقوله:
فأدرك إبقاء العرادة ظلعها
أي أدرك ما عندها من بقية العدو ظلعها أي قطعها شربها الماء
وقد جعلتني من حزيمة إصبعا، ليس بيني وبينه إلا قيس إصبع، وقوله: وقد شربت حال أي أتيتم في هذه الحالة، أي وقد شربت العرادة هذا الماء، كأن الكلحبة يعتذر من انفلات حزيمة منه أي أفلته مني شرب العرادة الماء وما أدركها من الظلع ونقصان الجري من أجل الشرب.