والثالثُ: الدُّيُونُ المُرْسَلَةُ في الذِّمَّةِ، فهيَ مُؤَخَّرَةٌ عنْ مَئُونَةِ التجهيزِ.
والرابعُ: الوَصِيَّةُ بالثُّلُثِ فما دُونَهُ لأجنبيٍّ، فإنْ كانتْ بخلافِ ذلكَ ففيها تفصيلٌ مذكورٌ في كُتُبِ الفقهِ، كَبَقِيَّةِ الحقوقِ السابقةِ.
والخامسُ: الإِرْثُ، وهوَ المقصودُ بالذاتِ في هذا الكتابِ. ولَهُ أركانٌ ثلاثةٌ: مُوَرِّثٌ، وَوَارِثٌ، وحَقٌّ مَوْرُوثٌ. ولهُ شروطٌ يُعْلَمُ أَكْثَرُهَا منْ ميراثِ الغَرْقَى والهَدْمَى، وستأتي آخرَ الكتابِ. ولَهُ أسبابٌ وموانعُ ذَكَرَهُما بقولِهِ: (بابُ أَسْبَابِ المِيرَاثِ) .
(بابُ أسبابِ الميراثِ)
أيْ: ومَوَانِعِهِ. والبابُ لُغَةً: المدخلُ إلى الشيءِ. واصطلاحًا: اسمٌ لجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ من العلمِ تَحْتَهُ فصولٌ ومسائلُ غالبًا. والأسبابُ: جمعُ سببٍ، وهوَ لُغَةً: ما يُتَوَصَّلُ بهِ إلى غَيْرِهِ. واصطلاحًا: ما يَلْزَمُ منْ وُجُودِهِ الوجودُ، ومنْ عَدَمِهِ العدمُ لذَاتِهِ.
والميراثُ: يُطْلَقُ بمعنى الإرثِ، وهوَ المقصودُ بالترجمةِ، وهوَ لُغَةً: البقاءُ، وانتقالُ الشيءِ منْ قومٍ إلى قومٍ آخرينَ. وهوَ مصدرُ وَرِثَ الشيءَ وِرَاثَةً ومِيرَاثًا وَإِرْثًا. وأَصْلُهُ الواوُ، فَقُلِبَتْ همزةً.
ويُطْلَقُ بمعنى: المَوْرُوثِ، والتُّرَاثِ، وهوَ لُغَةً: الأصلُ والبَقِيَّةُ. ومنهُ خَبَرُ مُسْلِمٍ: (( اثْبُتُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ) )؛ أيْ: أَصْلِهِ وبَقِيَّتِهِ منهُ. وشَرْعًا: ما ضَبَطَهُ القاضي فضلُ الدِّينِ الخَوْنَجِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بأنَّهُ: حَقٌّ قَابِلٌ للتَّجَزِّي، يَثْبُتُ لمُسْتَحِقٍّ بعدَ مَوْتِ مَنْ كانَ لهُ ذلكَ؛ لقرابةٍ بَيْنَهُمَا، أوْ نَحْوِها.
وقدْ ذَكَرْتُ ما في هذا الضابطِ في (شرحِ الترتيبِ) .
أسبابُ مِيرَاثِ الوَرَى ثلاثهْ كُلٌّ يُفِيدُ رَبَّهُ الوِرَاثَهْ
(أسبابُ ميراثِ) ؛ أيْ: إِرْثِ (الوَرَى) ؛ أي: الآدَمِيِّينَ، وإنْ كانَ (الوَرَى) في الأصلِ: الخلقَ، (ثلاثَهْ) مُتَّفَقٌ عليها (كُلٌّ) من الأسباب الثلاثةِ (يُفِيدُ رَبَّهُ) ؛ أيْ: صَاحِبَهُ، والمرادُ: المُتَّصِفُ بهِ (الوِرَاثَهْ) ؛ أي: الإرثَ.
وَهْيَ نِكَاحٌ وَوَلاءٌ وَنَسَبْ ما بَعْدَهُنَّ لِلْمَوَارِيثِ سَبَبْ
(وَهْيَ) ؛ أي: الأسبابُ الثلاثةُ.
أَوَّلُها: (نِكَاحٌ) ، وهوَ: عقدُ الزَّوْجِيَّةِ الصحيحُ، وإنْ لمْ يَحْصُلْ وَطْءٌ، ولا خَلْوةٌ، ويُوَرِّثُ من الجانبَيْنِ؛ لقولِهِ تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} إلى آخرِهِ. ويَتَوَارَثُ الزوجانِ في عِدَّةِ الطلاقِ الرَّجْعِيِّ باتِّفَاقِ الأَئِمَّةِ الأربعةِ.
ولوْ كانَ الطلاقُ في الصِّحَّةِ، لا الزَّوْجَةُ المُطَلَّقَةُ بَائِنًا في مرضِ الموتِ عندَنا، خلافًا للأئِمَّةِ الثلاثةِ؛ فإنَّها تَرِثُ عندَ الحَنَفِيَّةِ ما لمْ تَنْقَضِ عِدَّتُها.
وعندَ الحَنابِلَةِ: ما لمْ تَتَزَوَّجْ، وعندَ المالكيَّةِ: ولو انْقَضَتْ عِدَّتُها، واتَّصَلَتْ بأزواجٍ. عندَ المالكيَّةِ أيضًا: لوْ تَزَوَّجَ المريضُ في مرضِ الموتِ امرأةً فالعقدُ باطلٌ، ولا تَرِثُهُ، ولوْ تَزَوَّجَت المريضةُ في مرضِ الموتِ رجلًا لمْ يَرِثْهَا.
(وَ) ثَانِيهَا (وَلاءٌ) ، وهوَ بِفَتْحِ الواوِ، ممدودٌ، والمرادُ: ولاءُ العَتَاقَةِ، وهوَ: عَصُوبَةٌ سَبَبُها نعمةُ العتقِ على رقيقٍ؛ لقولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( إِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ) )، ويرثُ بهِ المُعْتِقُ منْ حيثُ كَوْنُهُ مُعْتِقًا، وعَصَبَتُهُ المُتَعَصِّبُونُ بأَنْفُسِهِم على تفصيلٍ سيأتي بعْضُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى آخرَ الكتابِ؛ لقولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( الْوَلاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لا يُبَاعُ وَلا يُوهَبُ ) )، رواهُ الشافعيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى.
وقدْ يَرِثُ العتيقُ المُعْتِقَ، كما لو اشْتَرَى ذِمِّيٌّ عبدًا وأَعْتَقَهُ، ثمَّ التحقَ السَّيِّدُ بدارِ الحربِ فَاسْتُرِقَّ، فَاشْتَرَاهُ عَتِيقُهُ فَأَعْتَقَهُ، فَكُلٌّ منهما يَرِثُ الآخرَ حيثُ لا مانعَ منْ حيثُ كَوْنُهُ مُعْتِقًا لا منْ حيثُ كَوْنُهُ عَتِيقًا.