فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 68

(و) ثالِثُها (نَسَبٌ) ؛ أيْ: قَرَابَةٌ، وهيَ الأُبُوَّةُ، والبُنُوَّةُ، والإِدْلاءُ بأَحَدِهِما، فَيَرِثُ بها الأقاربُ، وهُم: الأصولُ، والفروعُ، والحواشي؛ للآياتِ الكريمةِ والأحاديثِ الصحيحةِ، وما أُلْحِقَ بذلكَ بإجماعٍ أوْ قياسٍ على تفصيلٍ سيأتي بَعْضُهُ. ويُوَرَّثُ بهِ من الجانبَيْنِ تارةً كالابنِ معَ أَبِيهِ، والأخِ معَ أخيهِ، ومنْ أحدِ الجانبَيْنِ أُخْرَى كالجَدَّةِ أُمِّ الأُمِّ معَ ابنِ بِنْتِهَا.

وأَخَّرَ القرابةَ -وإنْ كَانَتْ أَقْوَى الأسبابِ- لأجلِ تَهَيُّؤِ النظمِ، ولطولِ الكلامِ عليها؛ لأنَّ أكثرَ الأحكامِ الآتيَةِ فيها.

وقولُهُ: (ما بَعْدَهُنَّ) ؛ أيْ: هذهِ الأسبابِ (للمواريثِ) جمعُ ميراثٍ بمعنى الإرثِ (سبَبْ) ؛ أيْ: مُتَّفَقٌ عليهِ، وإلاَّ فَهُنَاكَ سببٌ رابعٌ مُخْتَلَفٌ فيهِ، وهوَ جِهَةُ الإسلامِ، فَيَرِثُ بهِ بيتُ المالِ إذا كانَ مُنْتَظِمًا عِنْدَنَا على الأرجحِ، وسواءٌ كانَ منتظمًا أمْ لا على الأرجحِ عندَ المالكيَّةِ، ولا يَرِثُ عندَ الحَنَفِيَّةِ والحَنابِلَةِ. والكلامُ فيهِ مِمَّا يَطُولُ فَرَاجِعْهُ في كِتَابِنَا (شَرْحِ الترتيبِ) .

ثمَّ اعْلَمْ أنَّ الموانعَ جمعُ مانعٍ، وهوَ في اللغةِ: الحائلُ. واصطلاحًا: ما يَلْزَمُ منْ وُجُودِهِ العدمُ، ولا يَلْزَمُ منْ عَدَمِهِ وجودٌ ولا عدمٌ لِذَاتِهِ. عكسُ الشرطِ.

وموانعُ الإرثِ سِتَّةٌ: اقتصرَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ على المُتَّفَقِ عليهِ منها، وهوَ ثلاثةٌ.

(بابُ مَوَانِعِ الإرْثِ) :

ويَمْنَعُ الشخصَ منَ الميراثِ واحدةٌ منْ عِلَلٍ ثَلاثِ

رِقٌّ وقَتْلٌ واخْتِلافُ دِينِ ... فَافْهَمْ فليسَ الشَّكُّ كَاليَقِينِ

فقالَ: (وَيَمْنَعُ الشخْصَ) الذي قامَ بهِ سببُ الإرثِ (من الميراثِ) ؛ أي: الإرثِ، عِلَّةٌ (واحدةٌ منْ عِلَلٍ ثلاثٍ) .

أَحَدُها: (رِقٌّ) ، وهوَ: عجزٌ حُكْمِيٌّ يقومُ بالإنسانِ بسببِ الكفرِ. وهوَ مانعٌ من الجانبَيْنِ؛ فلا يَرِثُ الرَّقِيقُ بجميعِ أَنْوَاعِهِ؛ لأنَّهُ لوْ وَرِثَ لكانَ لِسَيِّدِهِ وهوَ أجنبيٌّ من المَيِّتِ، ولا يُورَّثُ؛ لأنَّهُ لا مِلْكَ لهُ ولوْ مَلَكَهُ سَيِّدُهُ، لكنَّ المُبَعَّضَ يُورَّثُ عنهُ جميعُ ما مَلَكَهُ ببَعْضِهِ الحُرِّ على الأرجحِ عِنْدَنا، ولا يَرِثُ ولا يُورَّثُ كَالْقِنِّ عندَ المالكيَّةِ والحَنَفِيَّةِ، ويَرِثُ ويُوَرَّثُ ويُحْجَبُ على حَسَبِ ما فيهِ من الحُرِّيَّةِ عندَ الحَنابِلَةِ.

(و) ثانيها: (قَتْلٌ) ، وهوَ مانعٌ للقاتلِ فقطْ لا المقتولِ، فقدْ يَرِثُ قَاتِلُهُ. واخْتَلَفَت الأئِمَّةُ في القاتلِ، فَعِنْدَنَا لا يَرِثُ مَنْ لهُ مَدْخَلٌ في القتلِ ولوْ كانَ بحقٍّ، كمُقْتَصٍّ وإمامٍ وقاضٍ وجَلاَّدٍ، بأَمْرِهِمَا أوْ أَحَدِهِما، وشاهدٍ ومُزَكٍّ. ولوْ كانَ بغيرِ قصدٍ كَنَائِمٍ ومَجْنُونٍ وطِفْلٍ، ولوْ قُصِدَ بهِ مصلحةٌ كَضَرْبِ الأبِ للتأديبِ، وبَطِّ الجُرْحِ للمعالجةِ. والأصلُ في ذلكَ قولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِنَ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ ) ). والمعنى فيهِ تُهْمَةُ الاستعجالِ في بعضِ الصُّوَرِ، وَسَدًّا للبابِ في الباقي. ولا مَدْخَلَ للمُفْتِي في القتلِ، وإنْ كانَ على مُعَيَّنٍ؛ لأنَّهُ ليسَ بمُلْزِمٍ، بخلافِ القاضِي.

وعندَ الحَنَفِيَّةِ: كلُّ قَتْلٍ أوجبَ الكَفَّارَةَ منعَ الإرثَ، وما لا فلا، إلاَّ القَتْلَ العمدَ العُدْوَانَ؛ فإنَّهُ لا يُوجِبُ الكَفَّارَةَ عِنْدَهُم، ومعَ ذلكَ يَمْنَعُ الإرثَ.

وعندَ الحَنابِلَةِ: كلُّ قَتْلٍ مَضْمُونٍ ظُلْمًا بقصاصٍ، أوْ دِيَةٍ، أوْ بكَفَّارَةٍ يمنعُ من الميراثِ، وما لا فلا.

وعندَ المالكيَّةِ: يَرِثُ قاتلُ الخطأِ من المالِ دُونَ الدِّيَةِ، ولا يَرِثُ قاتلُ العمدِ العُدْوَانِ.

والبابُ واسعٌ وفُرُوعُهُ كثيرةٌ، ومَحَلُّ بَسْطِهَا كتبُ الفقهِ.

(و) ثالِثُها: (اختلافُ دِينٍ) بالإسلامِ والكُفْرِ، فلا تَوَارُثَ بينَ مسلمٍ وكافرٍ؛ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: (( لا يَرِثُ المُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ ) ). أَمَّا عدمُ إِرْثِ الكافرِ من المسلمِ فَبِالإجْمَاعِ، وأمَّا عَكْسُهُ فعندَ الجمهورِ، خلافًا لِمُعَاذٍ ومعاويَةَ ومَنْ وَافَقَهُمَا. ودَلِيلُهُما والجوابُ عنهُ ذَكَرْتُهُ في (شرحِ الترتيبِ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت