فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 68

(فكانَ) زيدُ بنُ ثابتٍ (أَوْلَى) منْ غَيْرِهِ (باتِّبَاعِ التابِعِ) وتقليدِ المُقَلِّدِ؛ لأَمْرَيْنِ:

أَقْوَاهُمَا: هذهِ الأحاديثُ.

والثاني: أنَّهُ ما تَكَلَّمَ أحدٌ منْ أصحابِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الفرائضِ إلاَّ وقدْ وُجِدَ لهُ قولٌ في بعضِ المسائلِ قدْ هَجَرَهُ الناسُ بالاتِّفاقِ، إلاَّ زيدٌ؛ فإنَّهُ لمْ يَقُلْ قولًا مهجورًا بالاتِّفَاقِ، وذلكَ يقتضي الترجيحَ كما قالَ القَفَّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ.

(لا سِيَّمَا) قالَ ابنُ الهائمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: مِنْ أدواتِ الاستثناءِ عندَ بعْضِهِم. والصحيحُ أنَّها لَيْسَتْ منها، بلْ هيَ مُضَادَّةٌ للاستثناءِ؛ فإنَّ الذي بعْدَها داخلٌ فيما دخلَ فيهِ ما قَبْلَها، ومشهودٌ لهُ بأنَّهُ أحقُّ بذلكَ منْ غَيْرِهِ.

(وقدْ نَحَاهُ) ؛ أيْ: نَحَى مذهبَ الإمامِ زيدِ بنِ ثابتٍ المذكورِ الإمامُ أبو عبدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بنُ إدريسَ بنِ العَبَّاسِ بنِ عثمانَ بنِ شافعِ بنِ السائبِ بنِ عُبَيْدِ بنِ عبدِ يزيدَ بنِ هاشمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ منافِ بنِ قُصَيٍّ (الشافعِيُّ) القُرَشِيُّ المُطَّلِبِيُّ، والحِجَازِيُّ المَكِّيُّ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عنهُ، يَلْتَقِي معَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ في عبدِ مَنَافٍ.

ومناقِبُهُ شهيرةٌ، وفضَائِلُهُ كثيرةٌ، وقدْ صَنَّفَ الأَئِمَّةُ رَضِيَ اللَّهُ عنهم في مَنَاقِبِهِ قديمًا وحديثًا.

وُلِدَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ سنةَ خمسينَ ومائةٍ. والذي عليهِ الجمهورُ أنَّهُ وُلِدَ بِغَزَّةَ، وقيلَ: بعَسْقَلانَ، وقيلَ: باليمنِ، وقيلَ: بِخَيْفِ مِنًى. ثمَّ حُمِلَ إلى مَكَّةَ وهوَ ابنُ سَنَتَيْنِ، وتُوُفِّيَ بمصرَ ليلةَ الجُمُعَةِ بعدَ الغروبِ، آخرَ يومٍ منْ رَجَبٍ، سنةَ أربعٍ ومِائتيْنِ، وهوَ ابنُ أربعٍ وخمسينَ سنةً، ودُفِنَ بالقَرَافَةِ بعدَ عصرِ الجُمُعةِ. وعلى قَبْرِهِ من الجَلالَةِ والاحترامِ ما هوَ لائقٌ بمَقَامِ ذلكَ الإمامِ رَحِمَهُ اللَّهُ ورَضِيَ عنهُ.

ومعنى كونِ الشافعيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ نَحَى مذهبَ زيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ: أنَّهُ قَصَدَهُ ومالَ إليهِ مُوَافَقَةً لهُ في الاجتهادِ؛ لِمَا سَبَقَ، حتَّى تَرَدَّدَ حيثُ تَرَدَّدَ. وليسَ المرادُ أنَّهُ قَلَّدَهُ؛ لأنَّ المجتهدَ لا يُقَلِّدُ مُجْتَهِدًا.

فَهَاكَ فيهِ القولَ عنْ إِيجَازِ مُبَرَّأً عنْ وَصْمَةِ الأَلْغَازِ

(فَهَاكَ) ؛ أيْ: فَخُذْ. (فِيهِ) ؛ أيْ: في مذهبِ زيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ (القولَ عنْ إيجازِ) ؛ أي: اختصارٍ. والمُخْتَصَرُ: ما قَلَّ لَفْظُهُ وكَثُرَ مَعْنَاهُ. (مُبَرَّأً) ؛ أيْ: مُنَزَّهًا (عنْ وَصْمَةِ) ، واحدُ الْوَصْمِ. وَالوَصْمُ: اسمُ جنسٍ جَمْعِيٌّ بمعنى العَيْبِ.

(الألْغَازِ) : جمعُ لُغْزٍ، وهوَ الكلامُ المُعَمَّى، يُقَالُ: أَلْغَزَ في كَلامِهِ: عَمَّى وشَبَّهَ فِيهِ، واليَرْبُوعُ في جُحْرِهِ: مالَ يَمِينًا وشمالًا في حَفْرِهِ.

ومعنى البيتِ: فَخُذ القولَ في علمِ الفرائضِ على مذهبِ زيدِ بنِ ثابتٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ قولًا مُخْتَصَرًا واضِحًا مُنَزَّهًا عنْ عَيْبِ الخَفَا.

مُقَدِّمَةُ عِلْمِ الْفَرَائِضِ

هوَ فِقْهُ المواريثِ، وعلمُ الحسابِ المُوصِلُ لمعرفةِ ما يَخُصُّ كلَّ ذي حقٍّ من التَّرِكَةِ.

ومَوْضُوعُهُ: التَّرِكَاتُ، لا العَدُّ، خِلافًا لِمَنْ زَعَمَ ذلكَ.

واعْلَمْ أنَّهُ يَتَعَلَّقُ بتركةِ المَيِّتِ خمسةُ حُقُوقٍ مُرَتَّبَةٍ:

أَوَّلُها: الحقُّ المُتَعَلِّقُ بعينِ التركةِ؛ كالزكاةِ، والجِنَايَةِ، والرهنِ، فَيُقَدَّمُ على مُؤْنَةِ التجهيزِ.

والثاني: مُؤَنُ التجهيزِ بالمعروفِ، فإنْ كانَ المَيِّتُ فاقدًا لِمَا يُجَهِّزُهُ فتَجْهِيزُهُ على مَنْ عليهِ نَفَقَتُهُ في حالةِ الحياةِ، فإنْ تَعَذَّرَ ففي بيتِ المالِ، فإنْ تَعَذَّرَ فعلى أغنياءِ المسلمينَ. وهذا في غيرِ الزَّوْجَةِ. أَمَّا الزوجةُ التي تَجِبُ نَفَقَتُها فَمَئُونَةُ تَجْهِيزِها على الزوجِ المُوسِرِ، ولوْ كانتْ غَنِيَّةً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت