للمُعْتِقِ عصبةٌ بالنَّسَبِ فلمُعْتِقِ المُعْتِقِ، فإنْ لمْ نَجِدْ فَلِعَصَبَاتِ مُعْتِقِ المُعْتِقِ كذلكَ، فإنْ لمْ نَجِدْهُم فلِمُعْتِقِ مُعْتِقِ المُعْتِقِ، ثمَّ لِعَصَبَتِهِ، وهكذا.
ولا ميراثَ لمُعْتِقِ عَصَبَاتِ المُعْتِقِ إلاَّ لِمُعْتِقِ أَبِيهِ وجَدِّهِ، ولا لِعَصَبَتِهِ عَصَبَةِ المُعْتِقِ إذا لمْ يَكُنْ عَصَبةٌ للمُعْتِقِ، كما إذا تَزَوَّجَت امرأةٌ منْ غيرِ قَبِيلَتِهَا ووَلَدَت ابنًا، وأَعْتَقَتْ عَبْدًا، ثمَّ ماتَ عَتِيقُها عن ابنِ عمِّ ولدِ المذكورِ فقطْ فلا يَرِثُهُ؛ لأنَّهُ ليسَ بعصبةٍ لها، وإنْ كانَ عصبةً لابْنِها.
وقدْ ذكرَ الشيخُ بدرُ الدِّينِ سبطُ المَارْدِينِيِّ رَحِمَهُما اللَّهُ في (شَرْحِ كشفِ الغَوَامِضِ) أنَّهُ نازعَ بعضَ مُعَاصِرِيهِ فيها، وأطالَ الكلامَ فيها.
إذا عَلِمْتَ ذلكَ فقدْ ذكرَ الأصحابُ رَحِمَهُم اللَّهُ ضابطًا لِمَنْ يَرِثُ مِنْ عصبةِ المُعْتِقِ إذا لمْ يَكُن المُعْتِقُ حَيًّا، فقالُوا:
هوَ ذَكَرٌ يكونُ عَصَبَةً وارثًا للمُعْتِقِ لوْ ماتَ المُعْتِقُ يومَ مَوْتِ العَتِيقِ بصفةِ العِتْقِ.
وخَرَّجُوا على ذلكَ مسائلَ؛ منها:
أنَّهُ لا تَرِثُ امرأةٌ بولاءِ الغيرِ أصلًا، وإنَّما تَرِثُ بالمُبَاشَرَةِ، فَلَهَا على عَتِيقِها الولاءُ وعلى أَوْلادِهِ وأحْفَادِهِ وعَتِيقِهِ كالرَّجُلِ. وتَقَدَّمَت الإشارةُ إلى ذلكَ آخرَ العَصَبَاتِ.
ومنها: لوْ أَعْتَقَ عبدًا وماتَ عن ابنَيْنِ، فماتَ أحدُهما عن ابنٍ، ثمَّ ماتَ العتيقُ وخَلَّفَ ابنَ مُعْتِقِهِ وابنَ ابْنِهِ: وَرِثَهُ ابنُ المُعْتِقِ دونَ ابنِ ابْنِهِ.
ومنها: لوْ ماتَ المُعْتِقُ عنْ ثلاثةِ بنينَ، فماتَ أحدُهم عن ابنٍ، وآخرُ عنْ خمسةٍ، فلوْ ماتَ العتيقُ وَرِثُوهُ أَعْشَارًا بالسَّوِيَّةِ.
ومنها: لوْ أَعْتَقَ مسلمٌ عَبْدًا كَافِرًا، وماتَ عن ابْنَيْنِ مسلمٍ وكافرٍ، ثمَّ ماتَ العتيقُ: فمِيراثُهُ للابنِ الكافرِ؛ لأنَّهُ الذي يَرِثُ المُعْتِقَ بصفةِ الكُفْرِ، ولوْ أسلمَ العتيقُ ثمَّ ماتَ فمِيرَاثُهُ للابنِ المسلمِ، ولوْ أسلمَ الابنُ الكافرُ ثمَّ ماتَ العَتِيقُ مُسْلِمًا فالميراثُ بينَهُما.
وهذهِ المسائلُ تَتَخَرَّجُ أيضًا على أنَّ الولاءَ يُوَرَّثُ بهِ ولا يُوَرِّثُ.
فَرْعَانِ:
أحدُهما: الذينَ يَرِثُونَ بالولاءِ منْ عَصَبَةِ المُعْتِقِ يَتَرَتَّبُونَ ترتيبَ عصباتِ النَّسَبِ، لكنَّ الأظهرَ أنَّ أَخَا المُعْتِقِ وابنَ أَخِيهِ يُقَدَّمَانِ على جَدِّهِ الثاني. لو اشْتَرَت امرأةٌ أَبَاهَا فَعُتِقَ عليها، ثمَّ أَعْتَقَ الأبُ عَبْدَهُ، أوْ ماتَ عَتِيقُهُ بعْدَهُ، وللمُعْتِقِ عصبةٌ بالنَّسَبِ، فميراثُ العَتِيقِ لهُ دونَ البنتِ؛ لأنَّها مُعْتِقَةُ المُعْتِقِ، فَتُؤَخَّرُ عنْ عصبةِ النَّسَبِ.
وهذهِ قيلَ: أخطأَ فيها أَرْبَعُمِائَةِ قاضٍ غيرَ المُتَفَقِّهَةِ، فتُسَمَّى (مسألةَ القُضَاةِ) .
وصَوَّرَ بعْضُهم مسألةَ القضاةِ بما لو اشْتَرَى ابنٌ وابنةٌ أَبَاهُمَا فَعُتِقَ عليهما، ثمَّ أَعْتَقَ عبدًا، وماتَ العتيقُ بعدَ موتِ الأبِ عَنْهُما، فميراثُهُ للابنِ دونَ البنتِ؛ لأنَّهُ عصبةُ المُعْتِقِ بالنَّسَبِ.
وغَلَطَ فيها أَرْبَعُمِائَةِ قاضٍ، فقالُوا: إِرْثُ العتيقِ بينَهُما.
وفي الولاءِ مباحثُ كثيرةٌ، ذَكَرْتُ أكْثَرَهَا في (شرحِ الترتيبِ) .
البابُ الثالِثُ: في قِسْمَةِ التَّرِكَاتِ
وهيَ الثمرةُ المقصودةُ بالذاتِ منْ علمِ الفرائضِ، وما تَقَدَّمَ فوسيلةٌ، وهيَ مَبْنِيَّةٌ على الأربعةِ أعدادِ المُتَنَاسِبَةِ، التي هيَ أصلٌ كبيرٌ في استخراجِ المجهولاتِ، وهيَ مذكورةٌ في كُتُبِ الحِسَابِ.