فلوْ كانَ الميِّتُ الأوَّلُ الذي خَلَّفَ أبوَيْنِ وابْنتيْنِ أُنْثَى كانَ الجدُّ في الثانيَةِ أَبَا أُمٍّ فلا يَرِثُ، وكانَ في الثانيَةِ إرثَ بيتِ المالِ أو الرَدَّ، على الخلافِ المشهورِ في ذلكَ بينَ الأئِمَّةِ. واحتملَ كونُ الأختِ في الثانيَةِ أُخْتًا شقيقةً أوْ لأُمٍّ، فاختلفَ الحالُ باعتبارِ ذُكُورَةِ الميِّتِ الأوَّلِ وأُنُوثَتِهِ. فلذلكَ لَمَّا سَأَلَ أميرُ المؤمنينَ المأمونُ عنها يَحْيَى بنَ أَكْثَمَ رَحِمَهُم اللَّهُ تعالى بِقَوْلِهِ: هلكَ هَالِكٌ وخَلَّفَ أبوَيْنِ وابْنتيْنِ، فلمْ تُقْسَم التركةُ حتَّى ماتَتْ إحدى البِنتيْنِ عن الباقينَ.
فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ، الميِّتُ الأوَّلُ رَجُلٌ أو امرأةٌ؟ فَعَرَفَ المأمونُ فِطْنَتَهُ، فقالَ لهُ: إذا عَرَفْتَ التفصيلَ عَرَفْتَ الجوابَ، فَوَلاَّهُ القضاءَ.
وسببُ سُؤَالِهِ عنْ ذلكَ أنَّهُ لَمَّا أرادَ أنْ يُوَلِّيَهُ قضاءَ البصرةِ أَحْضَرَهُ فاسْتَحْقَرَهُ لصِغَرِ سِنِّهِ؛ فإنَّهُ كما حَكَى الحافظُ عبدُ الغَنِيِّ المَقْدِسِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ كانَ إذْ ذاكَ ابنَ إِحْدَى وعشرينَ سنةً، فأَحَسَّ يحيى بذلكَ، فقالَ يا أميرَ المؤمنينَ: سَلْنِي؛ فإنَّ القَصْدَ عِلْمِي لا خَلْقِي. وكانوا يَمْتَحِنُونَ العُمَّالَ والقضاةَ والأمراءَ بالفَرَائِضِ. فقالَ: ما تقولُ في أَبَوَيْنِ وابْنَتَيْنِ لمْ تُقْسَم التركةُ حتَّى ماتَتْ إحدى البِنتيْنِ عن الباقينَ، وقيلَ: عنهم وعنْ زوجٍ؟ فَأَجَابَهُ بما سبقَ. فَلَمَّا مضَى إلى البصرةِ قاضيًا اسْتَحْقَرَهُ مَشَائِخُها واستَصْغَرُوهُ فَامْتَحَنُوهُ: كَمْ سِنُّ القاضي؟ فقال: سِنُّ عَتَّابِ بنِ أُسَيْدٍ حينَ وَلاَّهُ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَكَّةَ؛ فلذلكَ سُمِّيَتْ بالمَأْمُونِيَّةِ.
فيَنْبَغِي لمَنْ سألَ عنها أنْ يَفْحَصَ عن الميِّتِ الأوَّلِ كما فَحَصَ عنهُ يحيى بنُ أكثمَ؛ لاختلافِ الحُكْمِ كما أَسْلَفْنَاهُ. واعْلَمْ أَنَّكَ لوْ عَمِلْتَ في المناسخةِ كُلَّ مسألةٍ على حِدَتِهَا بحيثُ لا تَعَلُّقَ لواحدةٍ بأُخْرَى لَصَحَّ، لكنْ يطولُ ويفوتُ القصدُ منْ قسمةِ المسائلِ على حسابٍ واحدٍ.
تَتِمَّةٌ: جميعُ ما تَقَدَّمَ فيما إذا ماتَ مَيِّتٌ فقطْ منْ ورثةِ الأوَّلِ، ولمْ يَكُن الاختصارُ قبلَ العملِ، وهوَ حالٌ من الأحوالِ الأربعِ سَبَقَت الإشارةُ إليها.
والحالُ الثاني: أنْ يموتَ أكثرُ منْ مَيِّتٍ، سواءٌ كانوا كُلُّهُم منْ ورثةِ الأوَّلِ، أوْ كانَ فيهم مَنْ هوَ منْ ورثةِ ورثةِ الأوَّلِ. وفي ذلكَ أوجهٌ عشَرةٌ ذَكَرْتُها في (شرحِ الترتيبِ) .
أشْهَرُهَا وأَعَمُّها: أنْ تُحَصِّلَ جامعةً لمسألةِ الميِّتِ الأوَّلِ والثاني كما أَسْلَفْنَا، واجْعَلْهَا أُولَى بالنسبةِ للمَيِّتِ الثالثِ، ومسألةَ الميِّتِ الثالثِ ثانيَةً بالنسبةِ لها، وانْظُرْ بينها وبينَ سهامِ الثالثِ منْ تلكَ الجامعةِ، وحَصِّلْ جامعةً على ما يَقْتَضِيهِ الحالُ من انقسامٍ وتوافقٍ وتباينٍ، فإنْ كانَ معكَ رابعٌ فاجعلْ جامعةَ الثالثِ أُولَى، ومسألةَ الرابعِ ثانيَةً، واعملْ كذلكَ في خامسٍ وسادسٍ وَهَلُمَّ جَرًّا، فما بَلَغَ فمنهُ تَصِحُّ مسألةُ المناسخةِ الجامعةِ لمسائلِ أُولَئِكَ الأمواتِ.
وَلْنُمَثِّلْ لذلكَ بمثالٍ ذَكَرَهُ الشيخُ زَكَرِيَّا رَحِمَهُ اللَّهُ في (شرحِ الكَافِيَةِ) بقولِهِ: مِثَالُهُ في الأربعةِ زوجةٌ وأبوانِ وبنتانِ، ثمَّ ماتَ الأبُ عن الباقي، وأخٌ لأبوَيْنِ ثمَّ الأُمُّ عن الباقي، وأُمٌّ وعمٌّ ثمَّ إحدَى البِنتيْنِ عنْ زوجٍ ومنْ بقيز+.
فالمسألةُ الأُولَى منْ سبعةٍ وعشرينَ، ماتَ الأوَّلُ عنْ زوجةٍ وبِنْتَي ابنٍ وأخٍ، فمسألَتُهُ منْ أربعةٍ وعشرينَ، تُوَافِقُ حَظَّهُ من الأُولَى بالربعِ، فتَصِحَّانِ منْ مائةٍ واثنَيْنِ وسِتِّينَ. مَنْ لهُ شيءٌ من الأُولَى ضُرِبَ في سِتَّةٍ، ومن الثانيَةِ ففي واحدٍ، فللزَّوجةِ ثمانيَةَ عشرَ، وللأُمِّ سبعةٌ وعشرونَ، ولكلِّ بنتٍ سِتَّةٌ وخمسونَ، وللأخِ خمسةٌ. ثمَّ مَاتَت الأُمُّ عنْ أُمٍّ وبِنْتَي ابنٍ وعمٍّ، فمسأَلَتُها منْ سِتَّةٍ، تُوَافِقُ حَظَّها من الأُولَيَيْنِ بالثُّلُثِ، فتصحُّ الثلاثُ منْ ثلاثِمِائةٍ وأربعةٍ وعشرينَ. فَمَنْ لهُ شيءٌ من الأُولَيَيْنِ ضُرِبَ في اثنيْنِ، أوْ من الثالثةِ ففي تسعةٍ: فللزَّوجةِ الأُولَى سِتَّةٌ وثلاثونَ، ولكلِّ بنتٍ مائةٌ وثلاثونَ، وللأخِ عَشَرَةٌ، وللأُمِّ في الثالثةِ تِسْعَةٌ، ولِعَمِّهَا كذلكَ. ثمَّ مَاتَتْ إحدَى البِنتيْنِ عنْ زوجٍ وأُمٍّ وأُخْتٍ، فمسألَتُها منْ ثمانيَةٍ تُوَافِقُ حظَّها بالنصفِ، فتصحُّ الأربعُ منْ أَلْفٍ ومِائتَيْنِ وستَّةٍ وتسعينَ، فَمَنْ لهُ شيءٌ من الثلاثِ الأُوَلِ ضُرِبَ في أربعةٍ، أَوْ من الرابعةِ ففي خَمْسٍ وسِتِّينَ، فللزَّوجةِ الأُولَى التي هيَ أُمٌّ في الرابعةِ