واقْسِمْهُ فالقَسْمُ إذًا صَحِيحُ يَعْرِفُهُ الأعجمُ والفَصِيحُ
(واقْسِمْهُ) ؛ أيْ: ما تَحَصَّلَ، وهوَ ما صَحَّتْ منهُ المسألةُ بينَ الورثةِ بوَجْهٍ من الأوجهِ التي ذَكَرَها الفَرَضِيُّونَ، وذَكَرْتُ بعْضَها في (شرحِ الترتيبِ) .
منها: أنْ تَضْرِبَ حِصَّةَ كُلِّ فريقٍ منْ أصلِ المسألةِ في جُزْءِ السهمِ، فإنْ كانَ الفريقُ شخصًا واحدًا أَخَذَهُ، وإنْ كانَ جماعةً (فَالْقَسْمُ إذًا صَحِيحُ) ؛ لأنَّكَ قدْ صَحَّحْتَ المسألةَ بالقواعدِ السابقةِ، وهيَ قواعدُ صحيحةٌ (يَعْرِفُهُ الأعجَمُ) . قالَ القرطبيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:"كَلامُهُ، والذي في لِسَانِهِ عُجْمَةٌ، وإنْ أَفْصَحَ بالعَجَمِيَّةِ".
(والفَصِيحُ) البليغُ، قالَ القرطبيُّ أيضًا:"فَصُحَ -بالضمِّ- فصاحةً صارَ فَصِيحًا؛ أيْ: بليغًا"، انْتَهَى.
وإذا فَهِمْتَ ما ذَكَرَ فاعْلَمْ أنَّ الانكسارَ على فريقَيْنِ، في اثْنَتَا عشرةَ صُورةً؛ وذلكَ لأنَّ كلَّ فَرِيقٍ منهما إمَّا أنْ تُبَايِنَهُ سِهَامُهُ، فهذهِ ثلاثُ أحوالٍ كما تَقَدَّمَ.
والمُثْبَتَانِ في تلكَ الأحوالِ الثلاثِ إِذَا نَظَرْتَ بينَهُما بالنِّسَبِ الأربعِ فلا يَخْلُوَانِ منْ واحدةٍ منها، وأربعةٌ في ثلاثةٍ باثْنَيْ عَشَرَ. وإنْ نَظَرْتَ باعتبارِ العولِ وعدَمِهِ كانت الصورةُ أربعةً وعشرينَ، وإنْ نَظَرْتَ باعتبارِ الأصولِ زَادَت الصُّوَرُ.
ثمَّ اعْلَمْ أنَّ الانكسارَ على فريقَيْنِ، لا يَتَأَتَّى في أَصْلِ اثْنَيْنِ، ويتَأَتَّى فيما عَدَاهُ من الأصولِ.
إذا تَقَرَّرَ ذلكَ فَلْنُمَثِّلْ للانكسارِ على فَرِيقَيْنِ في اثْنَيْ عشرَ مثالًا:
ففي ثلاثِ إخوةٍ للأُمِّ وثلاثةِ أعمامٍ: أَصْلُها ثلاثٌ، وجزءُ سهمِها ثلاثٌ، للمُداخلةِ في المباينةِ، وتَصِحُّ منْ تسعةٍ.
وفي زوجتَيْنِ وثلاثةِ أعمامٍ: أصلُها أربعةٌ، وجزءُ سهمِها ثمانيَةٌ، للمداخلةِ في المباينةِ، وتَصِحُّ منْ تسعةٍ.
وفي أربعِ جدَّاتٍ وستَّةِ أعمامٍ: أصلُها سِتَّةٌ، وجُزْءُ سهمِها اثنا عشرَ، للمُوافقةِ في المباينةِ، وتَصِحُّ من اثنَيْنِ وسبعينَ.
وفي أربعةِ زوجاتٍ وخمسةِ بنينَ: أصلُها ثمانيَةٌ، وجزءُ سهمِها عشرونَ، للمُباينةِ في المباينةِ، وتَصِحُّ منْ مائةٍ وسِتِّينَ، وتُسَمَّى صَمَّاءَ. وكذا كُلُّ مسألةٍ عَمَّها التباينُ؛ أيْ: بَيْنَ كُلِّ فريقٍ وسهامِهِ وبينَ الفِرَقِ بعْضِها بَعْضًا.
وفي أُمٍّ وأربعةِ إخوةٍ لأُمٍّ وثمانِ شقيقاتٍ: أصلُها سِتَّةٌ، وتعولُ لسبعةٍ، وجزءُ سهمِها اثنانِ للمماثلةِ في الموافقةِ، وتَصِحُّ منْ أربعةَ عشرَ. ولوْ كانت الإخوةُ للأُمِّ فيها ثمانيَةٌ أيضًا كانتْ مثالًا للمداخلةِ في الموافقةِ، وكانَ جزءُ سهمِها أربعةً، وتَصِحُّ منْ ثمانيَةٍ وعشرينَ. ولوْ كانت الشقيقاتُ أربعًا وعشرينَ، وأولادُ الأُمِّ ثمانيَةً معَ الأُمِّ، كانتْ مثالًا للمُوافقةِ في الموافقةِ، وكانَ جزءُ سهمِها اثنيْ عشرَ، وتَصِحُّ منْ أربعةٍ وثمانينَ.
وفي زوجٍ وأربعةِ إخوةٍ لأُمٍّ واثنتيْ عشرةَ شقيقةً: أصلُها سِتَّةٌ، وتعولُ لتسعةٍ، وجزءُ سهمِها سِتَّةٌ، للمُباينةِ في الموافقةِ، وتَصِحُّ منْ أربعةٍ وخمسينَ.
وفي زوجةٍ وأربعِ جَدَّاتٍ وعَمَّيْنِ: أصلُها اثنيْ عشرَ، ولا عولَ فيها، وجزءُ سهمِها اثنانِ؛ لأنَّ نصيبَ الجدَّاتِ وهوَ اثنانِ يُوَافِقُ مُبَايِنَ عددِها، واثنا واثنانِ متماثلانِ فيُكْتَفَى باثنَيْنِ منهما؛ فَهُمَا جزءُ السهمِ كما قُلْنَا، وتَصِحُّ منْ أربعةٍ وعشرينَ. فهذا مثالُ المماثلةِ في موافقةِ أحدِ الصنفَيْنِ سِهَامَهُ، ومباينةِ الآخرِ سهامَهُ.
وفي أربعةِ زوجاتٍ واثنَيْنِ وثلاثينَ بنتًا وأبوَيْنِ: أصلُها أربعةٌ وعشرونَ، وجزءُ سهمِها أربعةٌ، للمداخلةِ في مباينةِ أحدِ الصنفَيْنِ نَصِيبَهُ، وموافقةِ الصنفِ الآخرِ نَصِيبَهُ، وتَصِحُّ منْ مائةٍ وثمانينَ.
وفي جَدَّةٍ وجدَّتَيْنِ لا تُدْلِي واحدةٌ منهما، وستَّةِ إخوةٍ أَشِقَّةٍ أوْ لأبٍ: أصلُها ثمانيَةَ عشرَ، وجزءُ سهمِها سِتَّةٌ، للمُباينةِ في مباينةِ أحدِ الصنفيْنِ نَصِيبَهُ وموافقةِ الآخرِ نَصِيبَهُ، وتَصِحُّ منْ مائةٍ وثمانينَ.