ورَدَدْتَ المُوَافِقَ منها لِوِفْقِهِ، وأبقيتَ المُبَايِنَ منها بحَالِهِ، فتَحْتَاجُ بعدَ ذلكَ لعملٍ آخرَ سيأتي في كَلامِهِ. (فاحْفَظْ) ما ذَكَرْتُهُ لكَ (ودَعْ) ؛ أي: اتْرُكْ (عنكَ الجِدَالَ) على الباطلِ.
قالَ ابنُ الأثيرِ رَحِمَهُ اللَّهُ في (النهايَةِ) في معْنَى حديثِ (( مَا أُوتِيَ قَوْمٌ الْجِدَالَ إِلاَّ ضَلُّوا ) ):"الجَدَلُ مقابلةُ الحُجَّةِ بالحُجَّةِ، والمُجَادَلَةُ: المناظرةُ والمُخَاصَمَةُ. والمرادُ بهِ في الحديثِ الجدلُ على الباطلِ، وطلبُ المُغَالَبَةِ على الباطلِ بهِ. فأَمَّا الجدلُ لإظهارِ الحقِّ فإنَّ ذلكَ محمودٌ؛ لقولِهِ تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} "انتهى.
وفي (مُخْتَصَرِ الصِّحَاحِ) :"مَارَيْتُهُ أُمَارِيهِ مِرَاءً جَادَلْتُهُ"انتهى. وقالَ المُنْذِرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في كتابِ (الترغيبِ والترهيبِ) :"الترهيبُ من المِرَاءِ والجَدَلِ، وهوَ المخاصمةُ والمُحَاجَجَةُ، وطلبُ القهرِ بالغَلَبَةِ، والترغيبُ في تَرْكِهِ لِلْمُحِقِّ والمُبْطِلِ"انتهى.
فَعَلِمْنَا أنَّ الجدالَ والمِرَاءَ مُتَرَادِفَانِ، وأَنَّ العطفَ فيهما عطفُ المُترادِفَيْنِ. في الحديثِ الشريفِ الواردِ عنْ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( مَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُبْطِلٌ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ تَرَكَهُ وَهُوَ مُحِقٌّ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي وَسَطِهَا، وَمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي أَعْلاهَا ) )، رواهُ أبو دَاودَ والترمذيُّ رَحِمَهُما اللَّهُ تعالى عنْ أبي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ. و (رَبَضُ الْجَنَّةِ) ، قالَ الترمذيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:"بفتحِ الراءِ والباءِ المُوَحَّدَةِ والضادِ المعجمةِ، هوَ ما حَوْلَهَا"انْتَهَى.
وفي (الجامعِ الكبيرِ) للجلالِ السُّيُوطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ منْ روايَةِ البيهقيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ عن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنهما قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ لِيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ فَهُوَ فِي النَّارِ ) ).
إذا تَقَرَّرَ ذلكَ فانكسارُ السهامِ على الرُّؤُوسِ إمَّا أنْ يكونَ على فريقٍ، أوْ على فريقَيْنِ، أوْ على ثلاثٍ اتِّفَاقًا، أوْ أربعٍ عِنْدَنَا كالحَنَفِيَّةِ والحَنابِلَةِ، خلافًا للمالكيَّةِ. ولا يَتَجَاوَزُ الانكسارُ في الفرائضِ ذلكَ عندَ الجميعِ.
فإنْ كانَ الانكسارُ على فريقٍ واحدٍ نَظَرْتَ بينَ ذلكَ الفريقِ وسِهَامِهِ، فإنْ بَايَنَ الفريقُ سِهَامَهُ ضَرَبْتَ عددَ الفريقِ على أصلِ المسألةِ ومَبْلَغِهَا بالعولِ إذا عَالَتْ، فما بَلَغَ فمنهُ تَصِحُّ. وإنْ وافقَ الفريقُ سِهَامَهُ فَرُدَّ ذلكَ الفريقَ إلى وِفْقِهِ، واضربْ وِفْقَهُ في أصلِ المسألةِ أوْ مَبْلَغِهَا بالعولِ إذا عَالَتْ، فما بَلَغَ فمنهُ تَصِحُّ. وذلكَ كُلُّهُ معْنَى ما قَدَّمَهُ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ.
والفريقُ يُسَمَّى أيضًا ضَرْبًا، وحَيِّزًا، ورُؤوسًا+، وصِنْفًا. والمرادُ بهِ جماعةٌ اشتَرَكُوا في فَرْضٍ، أوْ فيما بقيَ بعدَ الفروضِ. وقدْ يُطْلَقُ على الواحدِ المنفردِ.
ولنُمَثِّلْ لكَ ذلكَ فنقولُ: بنتٌ وعَمَّانِ، أَصْلُهَا اثنانِ، وجزءُ سَهْمِهَا اثنانِ، للمُبَايَنَةِ، وتصحُّ منْ تسعةٍ.
أمٌّ وسِتَّةُ أعمامٍ: أَصْلُها ثلاثٌ، وجزءُ سَهْمِها ثلاثٌ، وتصحُّ كالتي قبلَها، للمُوَافَقَةِ.
زوجةٌ وعَمَّانِ: أصْلُها أربعةٌ، وجزءُ سَهْمِهَما اثنانِ للمُباينةِ، وتصحُ منْ ثمانيَةٍ.
زوجةٌ وسِتَّةُ أعمامٍ: أَصْلُها أربعةٌ، وجزءُ سَهْمِهما اثنانِ، وتصحُّ كالتي قبْلَها، للموافقةِ.
بنتٌ وأُمٌّ وثلاثةُ أعمامٍ: أصْلُها سِتَّةٌ، وجزءُ سَهْمِها ثلاثةٌ للمباينةِ، وتصحُّ منْ ثمانيَةَ عشرَ.
بنتٌ وأُمٌّ وسِتَّةُ أعمامٍ: أَصْلُها سِتَّةٌ، وجزءُ سَهْمِها ثلاثةٌ، وتصحُّ كالتي قبْلَها، للموافقةِ.
زوجٌ وخمسُ شقيقاتٍ: أصلُها سِتَّةٌ، وتعولُ لسبعةٍ، وجزءُ سهمِها خمسةٌ، للمُباينةِ، وتَصِحُّ منْ خمسةٍ وثلاثينَ. وكذا لوْ كانتْ عِدَّةُ الشقيقاتِ عشرينَ؛ للمُوافقةِ.
زوجةٌ وخمسُ بنينَ أوْ خمسةٌ وثلاثونَ ابنًا: أصلُها اثنا عشرَ، وجزءُ سهمِها ثلاثةٌ للمُباينةِ، وتَصِحُّ منْ ثمانيَةَ عشرَ.
بنتٌ وأمٌّ وسِتَّةُ أعمامٍ: أصلُها سِتَّةٌ، وجزءُ سهمِها ثلاثةٌ، وتَصِحُّ كالتي قبْلَها، للمُوافقةِ.