ولَمَّا حَمِدَ اللَّهَ تعالى صَلَّى على نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ لقولِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] ، ولقولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي كِتَابٍ لَمْ تَزَلِ الْمَلائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ مَا دَامَ اسْمِي فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ ) )، فقالَ:
ثُمَّ الصلاةُ بعدُ والسلامُ على نَبِيٍّ دِينُهُ الإِسْلامُ
(ثمَّ الصلاةُ بعدُ) ؛ أيْ: بعدَ ما تَقَدَّمَ، وهوَ هُنَا مبنيٌّ على الضمِّ كما هوَ مُقَرَّرٌ عندَ النحاةِ، والصلاةُ لُغةً: الدعاءُ، والصلاةُ المطلوبةُ من اللَّهِ هيَ رَحْمَتُهُ، وقيلَ: مَغْفِرَتُهُ، وقيلَ: كَرَامَتُهُ، وقيلَ: ثَنَاؤُهُ عندَ الملائكةِ. ذَكَرَ هذهِ الأوجهَ الشيخُ شهابُ الدِّينِ أحمدُ بنُ الهَائِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى.
وقَرَنَهَا بالسلامِ خُرُوجًا منْ كراهةِ إِفْرَادِ أحَدِهِما عن الآخرِ، فقالَ: (والسلامُ) ؛ أَي: التَّحِيَّةُ (على نَبِيٍّ دِينُهُ الإسلامُ) ، وهوَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. قالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وتعالى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ} [الحجِّ: 78] .
والنبيُّ: إنسانٌ أُوحِيَ إليهِ بِشَرْعٍ وإنْ لمْ يُؤْمَرْ بتَبْلِيغِهِ، فإنْ أُمِرَ بذَلِكَ فَرَسُولٌ أيضًا، فالنبيُّ أعمُّ من الرسولِ. وقيلَ: هُمَا بمعْنًى واحدٍ، وهوَ معنى الرسولِ.
النَّبِيءُ بالهمزِ من النَّبَأِ؛ أي: الخبرِ؛ لأنَّهُ مُخْبِرٌ عن اللَّهِ تعالى. وبلا همزٍ -وهوَ الأكثرُ- من النَّبْوَةِ وهيَ الرِّفْعَةُ؛ لأنَّ النبيَّ مرفوعُ الرُّتْبَةِ.
والدِّينُ: ما شَرَعَهُ اللَّهُ من الأحكامِ. والإسلامُ: هوَ الخضوعُ والانقيادُ لأُلُوهِيَّةِ اللَّهِ تعالى، ولا يَتَحَقَّقُ إلاَّ بقَبُولِ الأمرِ والنهيِ. والإيمانُ: هوَ التصديقُ بما جاءَ منْ عندِ اللَّهِ والإقرارُ بهِ. وهما وإن اخْتَلَفَا مفهومًا فمَقْصُودُهما واحدٌ، فلا يَصِحُّ في الشرعِ أنْ يُحْكَمَ على واحدٍ بأنَّهُ مُؤْمِنٌ وليسَ بمسلمٍ، وبالعكسِ. ولا نَعْنِي بِوَحْدَتِهِما سِوَى هذا.
مُحَمَّدٍ خَاتَمِ رُسْلِ رَبِّهِ وآلِهِ مِنْ بَعْدِهِ وصَحْبِهِ
وقولُهُ: (مُحَمَّدٍ) ، بدلٌ منْ (نَبِيٍّ) فيكونُ مجرورًا. ويجوزُ رَفْعُهُ على أنَّهُ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ. وهوَ اسمٌ منْ أسماءِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وهيَ -كما نقلَ ابنُ الهَائِمِ عنْ أبي بكرِ بْنِ العَرَبِيِّ والنَّوَوِيِّ رَحِمَهُما اللَّهُ تعالى- أَلْفُ اسمٍ.
واختارَ هذا الاسمَ لوُجُوهٍ؛ منها: أنَّ اللَّهَ تعالى ذَكَرَهُ في القرآنِ العظيمِ في مَسَاقِ الامتداحِ. ومنها أنَّهُ أشهرُ وأكثرُ استعمالًا في السُّنَّةِ للصحابةِ والتابعينَ فَمَنْ بَعْدَهُم.
وقولُهُ: (خَاتَمِ رُسْلِ رَبِّهِ) ؛ أيْ: وأنبيائِهِ. قالَ اللَّهُ تعالى: {وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40] . (وَ) الصلاةُ والسلامُ على (آلِهِ) ، وهمْ مُؤْمِنُو بني هاشمٍ وبني المُطَّلِبِ. وقيل: جميعُ الأُمَّةِ، وقيلَ: عِتْرَتُهُ الذينَ يُنْسَبُونَ إليهِ، وهمْ أولادُ فاطمةَ ونَسْلُهُم. وقيلَ: أَقَارِبُهُ منْ قُرَيْشٍ. وقيلَ غيرُ ذلكَ.
(مِنْ بَعْدِهِ) تبعًا لهُ (وصَحْبِهِ) منْ بَعْدِهِ أيضًا. وهوَ: اسمُ جمعٍ لصاحبٍ بمعنى الصحابيِّ، وهوَ مَن اجتمعَ مؤمنًا بهِ ولوْ ساعةً، وماتَ على ذلكَ. وقيلَ: مَنْ طَالَتْ صُحْبَتُهُ لهُ، وكَثُرَتْ مُجَالَسَتُهُ لهُ والأخذُ عنهُ، وقيلَ غيرُ ذلكَ.
ولَمَّا حَمِدَ اللَّهَ تعالى، وصَلَّى على نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ:
ونَسْأَلُ اللَّهَ لنا الإعانَهْ ... فِيمَا تَوَخَّيْنَا منَ الإبَانَهْ
(ونسألُ اللَّهَ لنا الإعانهْ فِيمَا تَوَخَّيْنَا) ؛ أيْ: تَحَرَّيْنَا وقَصَدْنَا. ويُقَالُ: فلانٌ يَتَوَخَّى الحقَّ ويَتَأَخَّاهُ؛ أيْ: يَقْصِدُهُ ويتَحَرَّاهُ. ويُقَالُ: تَأَخَّيْتُ الشيءَ تَحَرَّيْتُ. والتَّحَرِّي: طلبُ الأَحْرَى. وكثيرًا ما يَسْتَعْمِلُهُ الفقهاءُ بمعنى الاجتهادِ. والألفاظُ الثلاثةُ متقاربةٌ.
قالَ الشيخُ زَكَرِيَّا رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: الاجتهادُ والتَّحَرِّي والتَّأَخِّي بَذْلُ المجهودِ في طلبِ المقصودِ، انْتَهَى.