بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للَّهِ ربِّ العالمينَ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ وحْدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ الحقُّ المُبينُ، وأشهدُ أنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عبْدُهُ ورسُولُهُ خاتمُ النَّبِيِّينَ والمُرْسَلِينَ، صَلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أجمعينَ، صلاةً وسلامًا دَائِمَيْنِ مُتَلازِمَيْنِ إلى يومِ الدِّينِ.
أَمَّا بعدُ، فيقولُ العبدُ الفقيرُ إلى رحمةِ رَبِّهِ القريبِ المُجِيبِ، عبدُ اللَّهِ الشَّنْشُورِيُّ الشافعيُّ الفَرَضِيُّ الخطيبُ بالجامعِ الأزهرِ: قدْ سَأَلَنِي وَلَدِي عبدُ الوَهَّابِ، وَفَّقَهُ اللَّهُ للصوابِ، أنْ أَشْرَحَ المنظومةَ الرَّحَبِيَّةَ، أَسْكَنَ اللَّهُ مُؤَلِّفَها الغُرَفَ العَلِيَّةَ، فَأَجَبْتُهُ لذلكَ سَالِكًا من الاختصارِ أحسنَ المَسَالكِ، وعَمِلْتُهُ عَمَلَ الطبيبِ للحبيبِ، وقَرِيبٌ فيهِ العباراتُ أيَّ تَقْرِيبٍ، وتَعَرَّضْتُ فيهِ للخلافِ بينَ الأَئِمَّةِ، وبَيَّنْتُ فيهِ ما اجْتَمَعَتْ عليهِ الأُمَّةُ، وسَمَّيْتُهُ (الْفَوَائِدُ الشَّنْشُورِيَّةُ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ الرَّحَبِيَّةِ) .
وأنا أسألُ اللَّهَ المَنَّانَ بفَضْلِهِ أنْ ينفعَ بهِ كما نفعَ بأَصْلِهِ، وأَنْ يَعْصِمَنِي وقَارِئَهُ من الشيطانِ الرجيمِ؛ فإنَّهُ رَؤُوفٌ رحيمٌ، جَوَادٌ كريمٌ.
وهذا أَوَانُ الشروعِ في المقصودِ، بِعَوْنِ اللَّهِ المعبودِ:
قالَ المُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى، آمِينَ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ؛ أيْ: أَفْتَتِحُ، وَأَوْلَى منهُ: أُؤَلِّفُ.
أَوَّلُ مَا نَسْتَفْتِحُ الْمَقَالا بِذِكْرِ حَمْدِ رَبِّنَا تَعَالَى
(أَوَّلُ مَا نَسْتَفْتِحُ) ؛ أيْ: نَفْتَحُ؛ أيْ: نَبْتَدِي، (المَقَالا) بأَلِفِ الإطلاقِ؛ أي: القولَ، وهوَ اللفظُ الموضوعُ لمَعْنًى، خلافًا لِمَنْ أَطْلَقَهُ على المُهْمَلِ أيضًا كما نَقَلَهُ الجلالُ السُّيُوطِيُّ عنْ أبي حَيَّانَ رَحِمَهُما اللَّهُ تعالى. ويُطْلَقُ على الرأيِ والاعتقادِ مَجَازًا.
والقولُ والمقالُ والمقالةُ مصادرُ لِقَالَ يقولُ، وأصلُ قالَ: قَوَلَ، تَحَرَّكَت الواوُ وانْفَتَحَ ما قبْلَها فَقُلِبَتْ أَلِفًا.
ويُقَالُ لِمَا فَشَى من القولِ: قَالَةٌ، وقَالٌ، وقِيلٌ.
ويُقَالُ: أَقْوَلْتَنِي ما لمْ أَقُلْ، وقَوَّلْتَنِي: نَسَبْتَهُ إِلَيَّ. ورجلٌ مَقُولٌ ومِقْوَالٌ وقَوَّالٌ كثيرُ القولِ.
وقولُهُ: (بِذِكْرِ حَمْدِ رَبِّنَا) ؛ أيْ: مَالِكِنا، وسَيِّدِنا، ومُصْلِحِنا، ومُرَبِّينا، ومَعْبُودِنَا. كما قَالَهُ الشيخُ عزُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى أيضًا. (تَعَالَى) عَمَّا يقولُهُ الظالمونَ والجاحدونَ عُلُوًّا كبيرًا.
ثمَّ حَقَّقَ ما وعدَ بهِ منْ ذِكْرِ الحمدِ بقَوْلِهِ:
فَالْحَمْدُ للَّهِ على ما أَنْعَمَا حَمْدًا بهِ يَجْلُو عنِ القلبِ العَمَى
(فالحمْدُ) ؛ أي: الوصفُ بالجميلِ ثابتٌ (للَّهِ) ، وكُلٌّ مِنْ صِفَاتِهِ تعالى جَمِيلٌ، فهوَ وَصْفٌ للَّهِ تعالى بجميعِ صِفَاتِهِ (على ما أَنْعَمَا) ؛ أيْ: على إِنْعَامِهِ، وأَلِفُهُ للإطلاقِ، ولمْ يَتَعَرَّضْ للمُنْعَمِ بهِ.
قالَ الشيخُ سعدُ الدِّينِ التَّفْتَازَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: إِيهَامًا لقُصُورِ العبارةِ عن الإحاطةِ بهِ؛ ولِئَلاَّ يُتَوَهَّمَ اختصاصُهُ بشيءٍ دونَ شيءٍ.
(حَمْدًا) منصوبٌ على أنَّهُ مفعولٌ مُطْلَقٌ، وهوَ مُؤَكِّدٌ، ويَجُوزُ أنْ يكونَ مُبَيِّنًا للنوعِ أيضًا؛ لِوَصْفِهِ بقولِهِ: (بهِ يَجْلُو عن القلبِ العَمَى) ؛ أيْ: حَمْدًا يُذْهِبُ اللَّهُ بهِ عن القلبِ عَمَاهُ. والقلبُ معلومٌ، والعَمَى: مقصورٌ، يُكْتَبُ بالْيَاءِ، وهوَ: فَقْدُ البصرِ. وإِطْلاقُهُ على عَمَى البصيرةِ، وهوَ الجهلُ، إطلاقٌ مَجَازِيٌّ. والعَمَى الضَّارُّ هوَ عَمَى القلبِ.
وسُمِّيَ الجهلُ بالعَمَى؛ لأنَّ الجاهلَ لِكَوْنِهِ مُتَحَيِّرًا يُشْبِهُ الأعْمَى. وأَمَّا عَمَى البصرِ فليسَ بِضَارٍّ في الدِّينِ. قالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى: {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحجِّ: 64] .
وقالَ قتادةُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: البصرُ الظاهرُ بُلْغَةٌ ومنفعةٌ، وبصرُ القلبِ هوَ البصرُ النافعُ، انْتَهَى.