أَوْ كانَ ما يَفْضُلُ بعدَ الفَرْضِ لهْ ... فَهْوَ أَخُو العُصُوبَةِ المُفَضَّلَهْ
(أوْ كانَ ما يَفْضُلُ بعدَ الفرْضِ) الشاملِ للواحدِ وما زادَ (لَهُ) إِجماعًا؛ لقولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ ) )، (فَهْوَ أخو العُصُوبَةِ) بالنفسِ (المُفَضَّلَةِ) على غَيْرِها منْ أنواعِ العصوبةِ، وعلى الفرضِ كما اخْتَرْتُهُ في (شرحِ الترتيبِ) .
وهذا تعريفٌ للعاصبِ بالحُكْمِ، والتعريفُ بالحُكْمِ دَوْرِيٌّ كما هوَ معلومٌ عندَ العقلاءِ.
وأحكامُ العاصبِ بنفسِهِ ثلاثةٌ، ذكرَ منها اثنيْنِ، وتركَ الثالثَ، وهوَ أنَّهُ إذا اسْتَغْرَقَت الفروضُ التركةَ سقطَ إلاَّ الإخوةَ الأشِقَّاءَ في المُشَرَّكَةِ، وإلاَّ الأختَ في الأَكْدَرِيَّةِ، وَسَيَأْتِيَانِ. وإنَّما تركَ المُصَنِّفُ هذا الثالثَ للعِلْمِ بهِ من الثاني. والعاصبُ بغَيْرِهِ ومعَ غَيْرِهِ كالعاصبِ بالنفسِ في هذهِ الأحكامِ إلاَّ الحكمَ الأَوَّلَ.
ثمَّ بعدَ تعريفِ العاصبِ بهذا التعريفِ المُقَدَّمِ شَرَعَ في عَدِّهِم، وهمْ خمسةَ عشرَ. ولمَّا لمْ يَسْتَوْفِ عِدَّتَهُم أَتَى بكافِ التمثيلِ فقالَ:
كالأبِ والجدِّ وجدِّ الجدِّ والابْنِ عندَ قُرْبِهِ والبُعْدِ
(كالأبِ والجَدِّ) أَبِي الأبِ وجدِّ الأبِ (وجدِّ الجَدِّ) وإنْ علا (والابنِ عندَ قُرْبِهِ) ، وهوَ ولدُ الصُّلْبِ، (والبُعْدِ) وهوَ ابنُ الابنِ وإنْ سَفَلَ بمحضِ الذكورِ، كما تَقَدَّمَ.
والأخِ وابنِ الأخِ والأعمامِ والسَّيِّدِ المُعْتِقِ ذِي الإِنْعَامِ
(والأَخِ) لأبَوَيْنِ، أوْ لأبٍ لا لأُمٍّ، بدليلِ ما سبقَ في الفروضِ، (وابنِ الأَخِ) لأَبَوَيْنِ، أوْ لأبٍ لا لأُمٍّ، بدليلِ ما سبقَ في المُجْتَمَعِ على إِرْثِهِم من الرجالِ، (والأعمامِ) لأبوَيْنِ أوْ لأبٍ لا لأُمٍّ، بدليلِ ما سبقَ أيضًا، وكأعمامِ الميِّتِ أعمامِ أَبِيهِ وأعمامِ جَدِّهِ وهكذا، (والسَّيِّدِ المُعْتِقِ ذي الإِنْعَامِ) بالعِتْقِ ذكرًا كانَ أوْ أُنْثَى.
وهكذا بَنُوهُمُ جَمِيعَا فَكُنْ لِمَا أَذْكُرُهُ سَمِيعَا
(وهكذا بَنُوهُم جميعًا) ؛ أيْ: بَنُو الأعمامِ، وبَنُو المُعْتِقِينَ وإنْ نَزَلُوا بمحضِ الذكورِ. قالَ الشيخُ بدرُ الدِّينِ سَبْطُ المَارِدِينِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ في شرحِ الكتابِ:"وفيهِ نوعُ قُصُورٍ؛ حيثُ اقتصرَ على ابنِ المُعْتِقِ، وسَكَتَ عنْ باقي عَصَبَتِهِ المُتَعَصِّبِينَ بأَنْفُسِهِم"، انتهى.
ويُمْكِنُ الجوابُ عنهُ بأنَّهُم دَخَلُوا في قولِهِ سابقًا: (أَو الموَالِي) .
ولمْ يَذْكُر المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ بيتَ المالِ كما لمْ يَذْكُرْهُ سابقًا في الأسبابِ.
فائدةٌ: قالَ البَيْضَاوِيُّ في تفسيرِ قَوْلِهِ تعالَى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا} :" (جَمِيعًا) حالٌ في اللفظِ، تأكيدٌ في المعنى، كأنَّهُ قالَ: اهبِطُوا أَنْتُمْ أجمعونَ؛ ولذلكَ لا يَسْتَدْعِي اجْتَماعَهُم على الهبوطِ في زمانٍ واحدٍ، كقَوْلِكَ: جَاءُوا جميعًا"، انتهى. فكذا هنا كأنَّهُ قيلَ: بَنُوهُم أجمعونَ، ولا يَسْتَدْعِي أنْ يكونَ المرادُ مُجْتَمِعِينَ. وهوَ حالٌ من المضافِ، وهوَ بَنُوهُم، واللَّهُ أَعْلَمُ.
وقولُهُ: (فَكُنْ لِمَا أَذْكُرُهُ) ؛ أيْ: من الأحكامِ، (سَمِيعَا) ؛ أيْ: سامعًا سَمْعَ تَفَهُّمٍ وإذعانٍ.
ثمَّ اعْلَمْ أنَّهُ إذا اجتمعَ عَاصِبَانِ فأكثرُ فتارةً يستَوِيَانِ أوْ يَسْتَوُونَ في الجهةِ والدرجةِ والقُوَّةِ، فيشتركانِ أوْ يشتركونَ في المالِ أوْ ما أَبْقَت الفروضُ، وتارةً يختلفونَ في شيءٍ منْ ذلكَ فيَحْجُبُ بعْضُهم بعضًا، وذلكَ مَبْنِيٌّ على قاعدةٍ ذَكَرَهَا الجَعْبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في بيتٍ واحدٍ حيثُ قالَ:
فَبالجِهَةِ التقديمُ ثمَّ بِقُرْبِهِ وبَعْدَهُمَا التقديمُ بالقُوَّةِ اجْعَلا