(وتسقُطُ) الجَدَّةُ (البُعْدَى بِـ) الجَدَّةِ (ذاتِ القُرْبِ) سواءٌ كَانَتَا منْ جهةِ الأُمِّ، كأُمِّ أُمٍّ وأُمِّها اتِّفَاقًا؛ لأنَّها مُدْلِيَةٌ بها. أوْ كَانَتَا منْ جهةِ الأبِ والبُعْدَى مُدْلِيَةً بالقُرْبَى كأُمِّ أَبٍ وأُمِّها اتِّفَاقًا أيضًا؛ لأنَّها أَدْلَتْ بها. أوْ كَانَتَا منْ جهةِ الأبِ والبُعْدَى لا تُدْلِي بالقُرْبَى، كأُمِّ الأبِ، وأُمِّ أَبِي الأبِ، على الأصحِّ المنصوصِ في (زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ) .
ومِنْ صُوَرِ هذهِ: ما إذا كَانَت القُرْبَى منْ جهةِ آباءٍ كأُمِّ أَبِي الأَبِ، والبُعْدَى منْ جهةِ أُمَّهَاتِ الأبِ كَأُمِّ أُمِّ الأبِ، وفيها وَجْهَانِ: أَرْجَحُهما كما قالَ العَلاَّمَةُ شهابُ الدِّينِ بنُ الهَائِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنَّها تَحْجُبُهَا، قالَ: ومُسْتَنَدِي في تَرْجِيحِ ذلكَ ما قطعَ بهِ الأكثرونَ حتَّى في (المُحَرَّرِ) و (المِنْهَاجِ) أنَّ قُرْبَى كُلِّ جهةٍ تَحْجُبُ بُعْدَاها، انْتَهَى.
والوجهُ الثاني: أنَّها لا تَحْجُبُهُما، بلْ يَشْتَرِكَانِ في السُّدُسِ. وظاهرُ كلامِ الشيخِ سِراجِ الدِّينِ البَلْقِينِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَرْجِيحُهُ؛ فلأَجْلِ هذا الاختلافِ في بَعْضِ صُوَرِ هذهِ الحالةِ قالَ: (في المَذْهَبِ الأَوْلَى) ، يعني الأَرْجَحِ المُفْتَى بهِ في بعضِ هذهِ المسائلِ، وأمَّا في بَعْضِها فاتِّفَاقًا، كما قَرَّرْتُهُ لكَ.
فجَرَيانُ الخلافِ في هذهِ المسائلِ باعتبارِ المجموعِ لا باعتبارِ الجميعِ.
وقولُهُ: (فَقُلْ) أَيُّها الناظرُ في هذا الكتابِ (لي: حَسْبِي) ؛ أيْ: يَكْفِينِي منْ ذِكْرِ المَسَائِلِ في أصحابِ الفروضِ، أوْ في الجدَّاتِ؛ ففيما ذَكَرْتُهُ لكَ كفايَةٌ للمُبْتَدِي، ولا يَقْصُرُ عنْ إفادةِ المُنْتَهِي، ومَنْ أرادَ التَّبَحُّرَ في ذلكَ فَعَلَيْهِ بالكُتُبِ المُطَوَّلَةِ، ومنها كِتَابُنَا (شَرْحُ التَّرْتِيبِ) .
وقَدْ تَنَاهَتْ قِسْمَةُ الفُرُوضِ منْ غيرِ إِشْكَالٍ ولا غُمُوضِ
(وقدْ تَنَاهَتْ) ؛ أي: انْتَهَتْ (قسمةُ الفروضِ) بينَ مُسْتَحِقِّيها، وبيانُ كُلٍّ منهم على ما أَرَدْنَاهُ (منْ غيرِ إِشْكَالٍ) ؛ أي: التباسٍ، (ولا غُمُوضٍ) ؛ أيْ: خَفَاءٍ.
فائدةٌ: عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أنَّ أصحابَ الفروضِ ثلاثةَ عشرَ. أربعةٌ من الذُّكُورِ؛ وهم: الزوجُ، والأخُ للأُمِّ، والأبُ، والجدُّ. وتسعةٌ من النساءِ؛ وهنَّ: جميعُ النساءِ إلاَّ المُعْتِقَةَ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
ولمَّا أنْهَى الكلامَ على الفروضِ ومُسْتَحِقِّيها شرعَ في العَصَبَاتِ فقالَ:
(بابُ التَّعْصِيبِ)
بابُ التعصيبِ، مصدرُ عَصَّبَ يُعَصِّبُ تَعْصِيبًا فهوَ عَاصِبٌ، ويُجْمَعُ العاصبُ على عَصَبَةٍ، ويُجْمَعُ العَصَبَةُ على عَصَبَاتٍ، ويُسَمَّى بالعصبةِ الواحدُ وغيرُهُ، والعصبةُ لُغَةً: قَرَابَةُ الرجلِ لأَبِيهِ، سُمُّوا بها؛ لأنَّهُم عَصَبُوا بهِ؛ أيْ: أَحَاطُوا بهِ، وكلُّ ما استدارَ حولَ شيءٍ فقدْ عَصَبَ بهِ، ومنهُ العَصَائِبُ؛ أي: العمائمُ.
وقيلَ: سُمُّوا بها لِتَقَوِّي بعْضِهم ببعضٍ، من العَصَبِ وهوَ الشَّدُّ والمنعُ، يُقَالُ: عَصَبْتُ الشيءَ عَصَبًا شَدَدْتُهُ، والرأسَ بالعمامةِ شَدَدْتُهَا، ومنهُ العِصَابَةُ يُشَدُّ الرأسُ بها. وقيلَ غيرُ ذلكَ. ومدارُ هذهِ المَادَّةِ على الشدِّ والقُوَّةِ والإحاطةِ.
والعَصَبَةُ اصطلاحًا ما سيأتي في قولِهِ:
وَحُقَّ أَنْ نَشْرَعَ في التَّعْصِيبِ بكُلِّ قولٍ مُوجَزٍ مُصِيبِ
(وحُقَّ أنْ نشرعَ في التعصيبِ) إلى آخرِهِ؛ أيْ: في الإرثِ بهِ (بكلِّ قولٍ مُوجَزٍ) مختصرٍ (مُصِيبٍ) ليسَ بخطأٍ.
فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ كُلَّ المالِ مِنَ القَرَابَاتِ أوِ المَوَالِي
(فكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ كُلَّ المالِ) عندَ الانفرادِ (من القراباتِ) جمعُ قَرَابَةٍ؛ أي: الأقاربِ، (أو المَوَالِي) من المُعْتَقِينَ وعَصَبَتِهم إِجْمَاعًا؛ لقولِهِ تعالى: {وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} ، وغيرُ الأخِ كالأخِ.