فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 68

ثمَّ ذكرَ حُكْمَ ما إذا كانت القُرْبَى منْ جهةِ الأبِ فقالَ:

وإنْ تَكُنْ بالعكسِ فَالقَوْلانِ في كُتُبِ أهلِ العلمِ مَنْصُوصَانِ

(وإنْ تَكُنْ) الجَدَّةُ القُرْبَى (بالعكْسِ) من الأُولَى، بأنْ كانت القُرْبَى مِنْ جهةِ الأبِ كأُمِّ أَبٍ، والبُعْدَى منْ جهةِ الأُمِّ كأُمِّ أُمِّ أُمٍّ، (فالقولانِ) فيهما مَذْكُورَانِ (في كُتُبِ أهلِ العلْمِ) من الشافعِيَّةِ وغَيْرِهم رَضِيَ اللَّهُ عنهم، (مَنْصُوصَانِ) للإمامِ الشافعيِّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، وهما أَيْضًا رِوَايَتَانِ عنْ زيدِ بنِ ثابتٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ.

أَحَدُهُما:

لا تَسْقُطُ البُعْدَى على الصحيحِ واتَّفَقَ الجُلُّ على التَّصْحِيحِ

(لا تسقطُ البُعْدَى) منْ جهةِ الأُمِّ بالقُرْبَى منْ جهةِ الأبِ، بلْ يشتركانِ في السدسِ (على الصحيحِ) . وبهِ قالَ مالكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ؛ لأنَّ التي منْ وِجْهَةِ الأُمِّ وإنْ كانتْ أبعدَ فهيَ أَقْوَى؛ لكونِ الأُمِّ أصلًا في إِرْثِ الجَدَّاتِ، فَعَدَلَ قُرْبُ التي منْ قِبَلِ الأبِ قُوَّةَ التي منْ قِبَلِ الأُمِّ، فاعتدلا فَاشْتَرَكَا.

والقولُ الثاني: تَحْجُبُهَا جَرْيًا على الأصلِ منْ أنَّ القُرْبَى تَحْجُبُ البُعْدَى. وبهِ قالَ أبو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ. وهوَ المُفْتَى بهِ عندَ الحَنابِلَةِ رَحِمَهُم اللَّهُ. (واتَّفَقَ الجُلُّ) ؛ أي: المُعْظَمُ من الشافعِيَّةِ والمالكيَّةِ (على التصحيحِ) لهذا القولِ الأَوَّلِ.

ولمَّا كانَ في عِبَارَتِهِ السابقةِ، وهيَ قولُهُ: (وكُنَّ كُلُّهُنَّ وَارِثَاتِ) إيماءٌ إلى أنَّ من الجَدَّاتِ غيرَ وَارِثَةٍ، وهيَ المُعَبَّرُ عنها بالفاسدةِ، وهيَ التي احْتَرَزْتُ عنها فيما سبقَ بقَوْلِي: (صحيحَةٌ) ، بَيَّنَهَا هنا بقولِهِ:

وكُلُّ مَنْ أَدْلَتْ بغيرِ وَارِثِ فما لَهَا حَظٌّ من المَوارِثِ

(وَكُلُّ مَنْ أَدْلَتْ) من الجَدَّاتِ (بغيرِ وارِثٍ) كَأُمِّ أبي الأُمِّ؛ فإنَّ أَبَا الأُمِّ غيرُ وَارِثٍ، ويُعَبَّرُ عنها بالتي تُدْلِي بِذَكَرٍ بينَ أُنْثَيَيْنِ، (فما لها حَظٌّ من الْمَوَارِثِ) ؛ لأنَّها مِنْ ذَوِي الأَرْحَامِ، فلا تَرِثُ إلاَّ عندَ مَنْ قالَ بتَوْرِيثِ ذَوِي الأرحامِ، كما تَقَدَّمَت الإشارةُ إلى ذلكَ في الكلامِ على الوارثاتِ.

فائدةٌ: حاصلُ القولِ أنَّ الجدَّاتِ عندَنا على أربعةِ أقسامٍ:

القسمُ الأَوَّلُ: مَنْ أَدْلَتْ بمَحْضِ إناثٍ، كأُمِّ الأُمِّ وأُمَّهَاتِها المُدْلِيَاتِ بإناثٍ خُلَّصٍ.

والقسمُ الثاني: مَنْ أَدْلَتْ بمَحْضِ ذكورٍ، كَأُمِّ الأبِ، وأُمِّ أَبِي الأبِ، وأُمِّ أبي أبي الأَبِ، وهكذا بمَحْضِ الذُّكُورِ.

والقسمُ الثالثُ: مَنْ أَدْلَتْ بإناثٍ إلى ذُكُورٍ، كَأُمِّ أُمِّ أَبٍ، وكَأُمِّ أُمِّ أَبِي أبٍ، وهكذا. وكلُّ جَدَّةٍ كانتْ منْ هذهِ الأقسامِ الثلاثةِ فهيَ وارثةٌ عندَنا وعندَ الحَنَفِيَّةِ. وهيَ المُعَبَّرُ عنها بالجَدَّةِ الصحيحةِ.

والقسمُ الرابعُ: عكسُ الثالثِ، وهيَ مَنْ أَدْلَتْ بذكورٍ إلى إناثٍ، كأُمِّ أَبِي الأُمِّ، وهيَ السابقةُ في قولِهِ: (وكُلُّ مَنْ أَدْلَتْ بغيرِ وَارِثٍ) إلى آخرِهِ. وهيَ المُعَبَّرُ عنها بالفاسدةِ، وهيَ غَيْرُ وارثةٍ إلاَّ على القولِ بتَوْرِيثِ ذَوِي الأرحامِ كما سبقَ.

ثمَّ إذا تأَمَّلْتَ ما سبقَ ظهرَ لكَ أنَّهُ لا يَرِثُ منْ قِبَلِ الأُمِّ إلاَّ جَدَّةٌ واحدةٌ فقطْ، وباقي الجدَّاتِ الوارثاتِ كُلُّهُنَّ منْ جهةِ الأبِ. والكلامُ في الجَدَّاتِ مِمَّا يَطُولُ، وقدْ أَتَيْتُ منهُ في (شرحِ الترتيبِ) بالعَجَبِ، واللَّهُ أَعْلَمُ.

ثمَّ ذَكَرَ حُكْمَ ما إذا كانتْ إحدَى الجَدَّتَيْنِ أَقْرَبَ من الأُخْرَى، وهما منْ جهةٍ واحدةٍ، ولوْ قَدَّمْتُهُ على البيتِ السابقِ لكانَ أَنْسَبَ، فقالَ:

وتَسْقُطُ البُعْدَى بذاتِ القُرْبِ في المَذْهَبِ الأَوْلَى فقلْ لي: حَسْبِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت