ولمَّا انتهى الكلامُ على مَنْ يَرِثُ السدسَ، شرعَ يَتَكَلَّمُ في شيءٍ منْ أحوالِ الجَدَّاتِ استطرادًا.
واعْلَمْ قَبْلَهُ أنَّهُ إذا اجتمعَ جَدَّاتٌ فتارةً يَكُنَّ في درجةٍ واحدةٍ، وتارةً يكونُ بعْضُهُنَّ أقربَ منْ بعضٍ، وعلى كُلِّ تقديرٍ فتارةً يَكُنَّ منْ جهةٍ واحدةٍ، وتارةً يَكُنَّ منْ جِهِتَيْنِ، وقدْ ذَكَرَ حُكْمَ المتساوياتِ بقولِهِ:
وإنْ تَسَاوَى نَسَبُ الجَدَّاتِ ... وكُنَّ كُلُّهُنَّ وَارِثَاتِ
(وإنْ تساوَى نسبُ الجدَّاتِ) حيثُ كُنَّ اثنتيْنِ فأكثرَ منْ جهةٍ واحدةٍ، أوْ منْ جِهَتَيْنِ، (وكُنَّ كُلُّهُنَّ وارِثَاتِ) بأنْ لا يكونَ فيهنَّ جَدَّةٌ محجوبةٌ ولا فاسدةٌ، وهيَ التي تُدْلِي بذَكَرٍ بينَ أُنْثَيَيْنِ كما قَدَّمْتُهُ وكما سيأتي.
فَالسُّدْسُ بَيْنَهُنَّ بالسَّوِيَّةِ في القِسْمَةِ العادلةِ الشَّرْعِيَّةِ
(فالسُّدْسُ بينَهنَّ بالسَّوِيَّةِ) ، وإنْ أَدْلَتْ إحدَاهُما أوْ إحدَاهُنَّ بجِهَتَيْنِ أوْ أكثرَ، وغيرُها بجهةٍ واحدةٍ على الأرجحِ عندَنا. وبهِ قالَ أَبو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى.
والثاني: وهوَ مَحْكِيٌّ عن ابنِ سُرَيْجٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، يَقْسِمُ السُّدُسَ بينَهما أوْ بينَهنَّ بحَسَبِ الجهاتِ، لذاتِ الجهتَيْنِ مثلًا+ ولذاتِ الجهةِ ثُلُثُهُ. وهوَ قولُ زُفَرَ، ومُحَمَّدِ بنِ الحسنِ، والحسنِ بنِ زيادٍ، وجماعةٍ. قالَ الْوَنِّيُّ: وهوَ قياسُ قولِ أحمدَ بنِ حنبلٍ رَحِمَهُم اللَّهُ.
وقولُهُ: (في القسمةِ العادلةِ الشَّرْعِيَّةِ) ، وفي بعضِ النسخِ (المَرْضِيَّةِ) ، يُشِيرُ بهِ على ما رَوَى الحاكمُ على شرطِ الشَّيْخَيْنِ:"أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَضَى للجَدَّتَيْنِ في الميراثِ بالسُّدُسِ". وقيسَ الأكثرُ منهما علَيْهِما.
فائدةٌ: إذا كانتْ إحدى الجدَّتَيْنِ محجوبةً بالأَبِ، كما لوْ خَلَّفَ جَدَّةً أُمَّ أُمٍّ، وجَدَّةً أُمَّ أَبٍ معَ الأبِ، فالسدسُ للأُولَى وحْدَها، والباقي للأبِ على الأرجحِ. وقيلَ: لأُمِّ الأُمِّ نصفُ السدسِ، والباقي للأبِ؛ لأنَّهُ الذي حجبَ أُمَّهُ، فترجعُ فائدةُ الحَجْبِ إليهِ. وهذا عندَنا. أمَّا عندَ الحَنابِلَة فالسدسُ بينَهما، ولا يَحْجُبُ أُمَّ نَفْسِهِ. وعنْ هذهِ الجَدَّةِ المحجوبةِ احْتَرَزْتُ بقَوْلِي آنِفًا: (بأَنْ لا يكونَ فيهنَّ جَدَّةٌ محجوبَةٌ) ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
ثمَّ ذكرَ حُكْمَ ما إذا كانتْ إحدَاهُما أقربَ من الأخرى وهما منْ جهتَيْنِ، مُقَدِّمًا ما إذا كانت القُرْبَى منْ جهةِ الأُمِّ، فقالَ:
وإنْ تَكُنْ قُرْبَى لأُمٍّ حَجَبَتْ أُمَّ أَبٍ بُعْدَى وسُدْسًا سَلَبَتْ
(وإنْ تَكُنْ) الجَدَّةُ (قُرْبَى لأُمٍّ) ؛ أيْ: منْ جهةِ الأُمِّ كأُمِّ أُمٍّ (حَجَبَتْ أُمَّ أَبٍ) منْ جهةِ الأبِ (بُعْدَى) كأُمِّ أُمِّ أبٍ، وكأُمِّ أَبِي أبٍ، (وسُدْسًا سَلَبَتْ) ؛ أيْ: أَخَذَتْهُ وحْدَهُما كاملًا؛ لأنَّها أَقْرَبُ مِنْهَا.