وذكرَ المُصَنِّفُ بعْضَها بقولِهِ:
فبالجِهَةِ لِذِي البُعْدَى معَ القريبِ في الإرثِ مِنْ حظٍّ ولا نصيبِ
(وما لِذِي) الدرجةِ (البُعْدَى) ، وإنْ كانَ قَوِيًّا، (مَعَ) الوارثِ (القريبِ) إذا كانَ منْ جهةٍ واحدةٍ (في الإرثِ منْ حظٍّ ولا نصيبٍ) ؛ لِحَجْبِهِ بالأقربِ منهُ درجةً، وإنْ كانَ ضعيفًا، كابنِ أخٍ لأبٍ وابنِ ابنِ أخٍ شقيقٍ، فلا شيءَ للثاني معَ الأوَّلِ إجماعًا؛ لكَوْنِهِ أبعدَ منهُ درجةً، وإنْ كانَ أَقْوَى من الأوَّلِ.
وكابنٍ وابنِ ابنٍ وإنْ لمْ يُدْلِ بهِ، وكأبٍ وجدٍّ، وكابنِ أخٍ شقيقٍ وابنِ أخٍ شقيقٍ أوْ لأَبٍ، وكعمٍّ شقيقٍ أوْ لأبٍ وابنِ عمٍّ شقيقٍ أوْ لأبٍ، فلا شيءَ للثاني معَ الأوَّلِ في جميعِ هذهِ الصورِ؛ لِبُعْدِهِ.
فائدةٌ: (ما) هذهِ حِجَازِيَّةٌ، و (لِذِي البُعْدَى) خَبَرُها مُقَدَّمٌ، وجازَ تقدِيمُهُ لكَوْنِهِ جَارًّا وَمَجْرُورًا. و (منْ حَظٍّ) اسْمُها مُؤَخَّرٌ، وهوَ مجرورٌ بمِن الزائدةِ لتنصيصِ العمومِ، وسَوَّغَ زِيَادَتَهَا سَبْقُ النفيِ وكونُ مجرُورِها نكرةً. ولا يَخْفَى ما في عَطْفِ النصيبِ على الحظِّ من التأكيدِ؛ فإنَّهُما بمعنًى واحدٍ. قالَ القُرْطُبِيُّ في (مُخْتَصَرِ الصِّحَاحِ) : النصيبُ الحظُّ من الشيءِ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
والأخُ والعمُّ لأُمٍّ وأَبِ أَوْلَى منَ المُدْلِي بِشَطْرِ النَّسَبِ
(والأخُ) لأُمٍّ وأَبٍ، (والعمُّ لأُمٍّ وأَبٍ) ، وابنُ الأخِ لأُمٍّ وأبٍ، وابنُ العمِّ لأُمٍّ وأبٍ (أَوْلَى من المُدْلِي بشطرِ النسَبِ) وهوَ الأخُ للأبِ في الأُولَى، والعمُّ للأبِ في الثانيَةِ، وابنُ الأخِ للأبِ في الثالثةِ، وابنُ العمِّ للأبِ في الرابعةِ، فيحْجُبُهُ في جميعِها؛ لأنَّهُ أَقْوَى منهُ. لا يُقَالُ: ظاهرُ عِبَارَتِهِ يقتضي حَجْبَ الأخِ للأُمِّ بالأخِ الشقيقِ، فإنَّهُ مُدْلٍ بشطرِ النَّسَبِ؛ لأنَّا نقولُ: كَلامُهُ في المُدْلِي بشطرِ النسبِ من العَصَبَاتِ، وهوَ الأخُ للأبِ. وأمَّا الأخُ للأُمِّ فليسَ من العَصَبَاتِ.
تنبيهانِ:
الأوَّلُ: قدْ ذَكَرْتُ ما ذَكَرَهُ المُصَنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ بعضَ+ القاعدةِ التي ذَكَرَهَا الجَعْبَرِيُّ وغَيْرُهُ. واعْلَمْ قبلَ إيضاحِ ذلكَ أنَّ جِهَاتِ العُصُوبةِ عندَنا سَبْعٌ:
البُنُوَّةُ، ثمَّ الأُبُوَّةُ، ثمَّ الجُدُودَةُ والأُخُوَّةُ، ثمَّ بَنُو الأُخُوَّةِ، ثمَّ العُمُومَةُ، ثمَّ الوَلاءُ، بيتُ المالِ.
إذا عَلِمْتَ ذلكَ، فإذا اجتمعَ عاصبانِ فَمَنْ كانتْ جِهَتُهُ مُقَدَّمَةً فهوَ مُقَدَّمٌ -وإنْ بَعُدَ- على مَنْ كانتْ جِهَتُهُ مُؤَخَّرَةً، فابنُ ابنِ ابنِ أخٍ شقيقٍ أوْ لأبٍ مُقَدَّمٌ على العمِّ، وذلكَ معنى قولِ الجَعْبَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (فَبِالْجِهَةِ التقديمُ) ، فإن اتَّحَدَتْ جِهَتُهُما معنًى فالقريبُ درجةً وإنْ كانَ ضعيفًا مُقَدَّمٌ على البعيدِ وإنْ كانَ قَوِيًّا، كما مَثَّلْتُهُ آنفًا.
وذلكَ معنى قولِ الجَعْبَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (ثُمَّ بقُرْبِهِ) . فإن اتَّحَدَتْ دَرَجَتُهُما أيضًا فالقويُّ وهوَ ذُو القَرَابَتَيْنِ مُقَدَّمٌ على الضعيفِ وهوَ ذُو القرابةِ الواحدةِ كما سبقَ تَمْثِيلُهُ قريبًا، وذلكَ معنى قولِ الجعبريِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وبَعْدَهُما التَّقْدِيمُ بالقُوَّةِ اجْعَلا) .
التنبيهُ الثاني: هذهِ القاعدةُ كما هيَ في العصباتِ قدْ تأتي في أصحابِ الفروضِ، وفي أصحابِ الفروضِ معَ العصباتِ، وعَلَيْهَا معَ قاعدةٍ أُخْرَى -وهيَ: أنَّ كُلَّ مَنْ أَدْلَى بواسطةٍ حَجَبَتْهُ تلكَ الواسطةُ إلاَّ وَلَدَ الأُمِّ- ينبني بابُ الحَجْبِ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
ولمَّا أنْهَى الكلامَ على القِسْمِ الأوَّلِ من العصبةِ، وهوَ العصبةُ بنَفْسِهِ، شرعَ في القسمِ الثاني، وهوَ العصبةُ بغَيْرِهِ، فقالَ:
والابنُ والأخُ معَ الإناثِ يُعَصِّبَانِهِنَّ في الميراثِ
(والابْنُ) ومِثْلُهُ ابنُ الابنِ (والأخُ) شقيقًا كانَ أوْ لأبٍ (معَ الإناثِ) الواحدةِ فأكثرَ، أو المُسَاوِيَاتِ للذَّكَرِ في الدرجةِ والقُوَّةِ (يُعَصِّبَانِهِنَّ في الميراثِ) ، فتكونُ الأُنْثَى منهنَّ معَ الذَّكَرِ المُسَاوِي لها عصبةً بالغيرِ. فالعصبةُ بغَيْرِهِ أَربعٌ: