فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 68

وهَكَذَا معَ زَوْجَةٍ فَصَاعِدَا فلا تَكُنْ عنِ العُلُومِ قَاعِدَا

(وهكذا) للأُمِّ ثلثُ الباقي بعدَ فَرْضِ الزوجةِ، إذا كانَ الأبُ والأُمُّ (معَ زوجةٍ فَصَاعِدَا) ؛ أيْ: فذهبَ عَدَدُها إلى حالةِ الصعودِ على الواحدةِ إلى أربعٍ، فهوَ منصوبٌ بالحَالِيَّةِ من العَدِّ، ولا يجوزُ فيهِ غيرُ النصبِ، ولا يُسْتَعْمَلُ بغيرِ الفاءِ، أوْ (ثُمَّ) . نَقَلَهُ الشيخُ زَكَرِيَّا عن ابنِ سِيدَهْ.

(فلا تَكُنْ عن العلومِ قَاعِدَا) ، بلْ شَمِّرْ لها عنْ ساعدِ الجدِّ والاجتهادِ، وقُمْ لها على قَدَمِ العنايَةِ والسَّدَادِ؛ فإنَّ ذلكَ منْ سبيلِ الرشادِ.

ففي زوجٍ وأُمٍّ وأبٍ: للزوجِ النصفُ، وللأُمِّ ثلثُ الباقي، وهوَ في الحقيقةِ: سُدُسٌ، وللأبِ الباقي. وفي زوجةٍ وأُمٍّ وأبٍ: للزوجةِ الربعُ، وللأُمِّ ثلثُ الباقي، وهوَ في الحقيقةِ: رُبُعٌ، وللأبِ الباقي. وأَبْقَى لفظَ الثُّلُثِ في الصُّورَتَيْنِ، وإنْ كانَ في الحقيقةِ سُدُسًا أوْ رُبُعًا كما قُلْنَا؛ تَأَدُّبًا معَ القرآنِ العزيزِ.

وهذا ما قَضَى بهِ عمرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عنهُ، ووَافَقَهُ الجمهورُ، ومنهم الأئِمَّةُ الأربعةُ. وذلكَ لأَنَّا لوْ أَعْطَيْنَا الأمَّ الثلثَ كاملًا لَزِمَ إمَّا تفضيلُ الأُمِّ على الأبِ في صورةِ الزوجِ، وإِمَّا أنَّهُ لا يَفْضُلُ عليها التفضيلَ المعهودَ في صورةِ الزوجةِ، معَ أنَّ الأُمَّ والأبَ في درجةٍ واحدةٍ.

وخالفَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما وقالَ: للأُمِّ فيهما الثلثُ كاملًا؛ لظاهرِ نصِّ القرآنِ. ووافقَ ابنُ سِيرِينَ الجمهورَ في مَسْأَلةِ الزوجِ، وابنَ عَبَّاسٍ في مَسْأَلَةِ الزوجةِ.

ثمَّ رَجَعَ بعدَ فَرَاغِهِ منْ أحوالِ الأُمِّ، عندَ عدمِ الفرعِ الوارثِ والعددِ من الإخوةِ، إلى بيانِ مَنْ يَرِثُ الثُّلُثَ، وهوَ الصنفُ الثاني، فقالَ:

وَهُوَ للاثْنَيْنِ أوْ ثِنْتَيْنِ مِنْ وَلَدِ الأُمِّ بغيرِ مَيْنِ

(وهُوَ) ؛ أي: الثلثُ، (لاثنَيْنِ) ؛ أيْ: ذَكَرَيْنِ (أو ثِنْتَيْنِ) ؛ أيْ: أُنْثَيَيْنِ، وكذلكَ ذَكَرٌ وأُنْثَى، (من ولدِ الأُمِّ) فقطْ، وهم الإِخْوَةُ للأُمِّ (بغيرِ مَيْنِ) ؛ أيْ: كَذِبٍ.

وهكذا إنْ كَثُرُوا أوْ زَادُوا فَمَا لَهُم فِيمَا سِوَاهُ زَادُ

(وهكذا) ؛ أيْ: يكونُ الثلثُ لهم (إنْ كَثُرُوا أوْ زَادُوا) عن الاثنيْنِ. و (أَوْ) هنا بمعنى الواوِ، والمقصودُ بالجمعِ بينَ لفظةِ الكثرةِ والزيادةِ التأكيدُ.

وكذا قولُهُ: (فَمَا لهمْ فيما سِوَاهُ) ؛ أي: الثلثِ، (زَادٌ) ؛ لأنَّهُم لا يَسْتَحِقُّونَ أكثرَ منهُ؛ لقولِهِ تعالى: {فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} . والزادُ هوَ الطعامُ في السفرِ. وفي البيتِ جِناسٌ ناقصٌ مُطَرَّفٌ.

ويَسْتَوِي الإناثُ والذكورُ فيهِ كما قدْ أَوْضَحَ المَسْطُورُ

(ويستوي الإناثُ والذكورُ فيهِ) ؛ أي: الثُّلُثِ، (كما قدْ أوضحَ المسطورُ) ؛ أي: المكتوبُ، وهوَ القرآنُ العزيزُ، في قولِهِ تعالى: {فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} ؛ فإنَّ التشريكَ إذا أُطْلِقَ يقتضي المساواةَ، وهذا مِمَّا خالفَ فيهِ أولادُ الأُمِّ غيْرَهُم؛ فإنَّهُم خَالَفُوا غَيْرَهُم في أشياءَ: لا يُفَضَّلُ ذَكَرُهم على أُنْثَاهُم اجتماعًا، ولا انْفِرَادًا، ويَرِثُونُ معَ مَنْ أَدْلَوْا بهِ، وتُحْجَبُ بهم؛ أي: الأُمُّ؛ لأنَّهُم يَرُدُّونَها إلى السُّدُسِ نقصًا. وذَكَرُهُم أَدْلَى بأُنْثَى ويَرِثُ. فهذهِ خمسةُ أشياءَ.

فائدةٌ: بَقِيَ مِمَّنْ يَرِثُ الثلثَ: الجَدُّ في بعضِ أحْوَالِهِ معَ الإخوةِ. وبَقِيَ مِمَّنْ يَرِثُ ثلثَ الباقي: الجَدُّ أيضًا في بعضِ أحْوَالِهِ معَ الإخوةِ. وسيأتي ذلكَ كُلُّهُ في بابِ الجدِّ والإخوةِ، واللَّهُ أَعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت