وضابطُ أصحابِ الثُّلُثَيْنِ أنْ تقولَ: الثُّلُثَانِ فَرْضُ اثْنَتَيْنِ مُتَسَاويتَيْنِ فأكثرَ مِمَّنْ يَرِثُ النصفَ. وهيَ عبارةُ ابنِ الهائمِ رَحِمَهُ اللَّهُ. قالَ الشيخُ زَكَرِيَّا رَحِمَهُ اللَّهُ: وخرجَ بقولِهِ: (اثنتيْنِ) الزوجُ. وبقولِهِ: (مُتَسَاوِيَتَيْنِ) مثلُ بنتٍ، وبنتِ ابنٍ؛ لأنَّهُما لَيْسَتَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ، ومثلُ بنتٍ، وأُخْتٍ لغيرِ أُمٍّ. ولا يُتَصَوَّرُ اجتماعُ صِنْفَيْنِ لكلٍّ مِنْهُمَا الثُّلُثَانِ.
(بابُ الثُّلُثِ)
والثُّلْثُ فَرْضُ الأُمِّ حيثُ لا وَلَدْ ولا منَ الإخوةِ جَمْعٌ ذُو عَدَدْ
(والثُلْثُ) فرضُ اثْنَيْنِ؛ أَحَدُهما ذَكَرَهُ بقولِهِ: (فَرْضُ الأُمِّ) بشَرْطَيْنِ عَدَمِيَّيْنِ؛ أَحَدُهما: أنْ يكونَ (حيثُ لا وَلَدْ) ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثَى، واحدًا كانَ أوْ مُتَعَدِّدًا. ولا وَلَدَ ابْنٍ كما سَيَذْكُرُهُ قريبًا. (و) ثَانِيهُما: (لا مِن الإخوةِ جَمْعٌ) اثنانِ أوْ أكثرُ، كما أشارَ إلى ذلكَ بقولِهِ: (ذُو عَدَدْ) ؛ فإنَّ العددَ حقيقةً أَقَلُّهُ اثنانِ. فليسَ الجمعُ على حَقِيقَتِهِ منْ أنَّ أَقَلَّهُ ثلاثةٌ، ووَضَّحَ ذلكَ بقولِهِ:
كَاثْنَيْنِ أوْ ثِنْتَيْنِ أوْ ثلاثِ حُكْمُ الذُّكُورِ فيهِ كالإِنَاثِ
(كَاثْنَيْنِ) أَخَوَيْنِ (أَوْ ثِنْتَيْنِ) أُختيْنِ، وكذلكَ أَخٌ وأُخْتٌ (أوْ ثَلاثٍ) من الإخوةِ الذكورِ أو الإناثِ، أو الذكورِ والإناثِ، أو الخَنَاثَى المُنْفَرِدِينَ، أوْ مَعَ الذكورِ، أو الإناثِ، أوْ مَعَهُما. وذلكَ كُلُّهُ مَعْنَى قَوْلِهِ: (حُكْمُ الذُّكُورِ فيهِ كالإناثِ) .
ولا فَرْقَ في الإخوةِ بينَ كَوْنِهِم أَشِقَّاءَ، أوْ لأبٍ، أوْ لأُمٍّ، أوْ مُخْتَلِفِينَ، ولا بينَ كَوْنِهِم وَارِثِينَ، أوْ مَحْجُوبِينَ، أوْ بَعْضُهم حُجِبَ بشَخْصٍ.
والمحجوبُ بالوصفِ من الأولادِ والإخوةِ وُجُودُهُ كالعدمِ، والأصلُ في ذلكَ قولُهُ تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ} ، معَ مَفْهُومِ قَوْلِهِ تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ} .
ولمَّا كانَ أولادُ الابنِ كالأولادِ، إِرْثًا وحَجْبًا، ذَكَرَهُمْ مُؤَّخِرًا لهم عن الإخوةِ؛ لأنَّ اشتراطَ عدمِ الإخوةِ في إِرْثِها الثُّلُثَ بالنَّصِّ، بخلافِ أولادِ الابنِ فَبِالْقِيَاسِ، فقالَ:
ولا ابنُ ابْنٍ مَعَهَا أوْ بِنْتُهُ فَفَرْضُهَا الثُّلْثُ كما بَيَّنْتُهُ
(ولا ابنُ ابْنٍ) واحدًا كانَ أوْ أَكْثَرَ (مَعَها) ؛ أي: الأُمِّ، (أوْ بِنْتُهُ) ؛ أيْ: بنتُ الابنِ، واحدةً كانتْ أوْ أكثرَ، (فَفَرْضُها الثُّلْثُ) إذا انْتَفَى منْ ذَكَرٍ (كما بَيَّنْتُهُ) بهذهِ العبارةِ، قياسًا على الأولادِ، كما أَشَرْتُ إليهِ.
ورُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما أنَّهُ قالَ:"لا يَرُدُّهَا عن الثُّلُثِ إلاَّ ثلاثةٌ من الإخوَةِ"؛ لظاهرِ قَوْلِهِ تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} ، وأَقَلُّ الجمعِ ثلاثةٌ.
ورُوِيَ عنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ أنَّهُ قالَ:"لا يَرُدُّهَا عن الثلثِ إلاَّ الإخوةُ الذُّكُورُ، أو الذُّكُورُ معَ الإناثِ"، وأمَّا الأخواتُ الصِّرْفُ فلا يَرُدُّونَها عنهُ للسُّدُسِ عِنْدَهُ؛ لأنَّ (إِخْوَةً) جمعُ ذكورٍ، والإناثُ الخُلَّصُ لا يَدْخُلْنَ في ذلكَ. والجمهورُ على خِلافِهِمَا، وجَوَابُهُمَا مَذْكُورٌ في المُطَوَّلاتِ.
ولمَّا كَانَتْ قدْ لا تَرِثُ الثُّلُثَ، وليسَ هناكَ فرعٌ وارثٌ، ولا عددٌ من الإخوةِ والأَخَوَاتِ، في مَسْأَلَتَيْنِ تُسَمَّيَانِ بالغَرَّاوَيْنِ وبالعُمَرِيَّتَيْنِ، ذَكَرَهُمَا مُقَدِّمًا لهما على الصنفِ الثاني مِمَّنْ يرثُ الثُّلُثَ؛ لأنَّ ذلكَ منْ جُمْلَةِ أحوالِ الأُمِّ معَ عدمٍ مِنْ ذَكَرٍ، فقالَ:
وإنْ يَكُنْ زوجٌ وأُمٌّ وأَبُ فَثُلُثُ الباقي لها مُرَتَّبُ
(وإنْ يَكُنْ) ؛ أيْ: يُوجدُ (زوجٌ وأُمٌّ وأَبُ) في فريضةٍ (فَثُلُثُ الباقِي) بعدَ فرضِ الزوجِ (لَهَا) ؛ أي: الأُمِّ، ثابتٌ (مُرَتَّبُ) ، وهذهِ إِحْدَى الغَرَّاوَيْنِ.
والثانيَةُ ذكَرَهَا بقولِهِ: