(بابُ الثُّلُثَيْنِ)
والثُّلُثَانِ للبناتِ جَمْعَا ما زادَ عنْ واحدةٍ فَسَمْعَا
(والثُّلُثَانِ) فرضُ أربعةِ أصنافٍ، ذكرَ المُصَنِّفُ الأَوَّلَ منهم بقولِهِ: (لِلْبَنَاتِ جَمْعَا) ، والمرادُ اثْنَتَيْنِ فأكثرَ، وقدْ صَرَّحَ بذلكَ في قَوْلِهِ: (ما زادَ عنْ وَاحِدَةٍ) من اثنتَيْنِ أوْ أكثرَ (فَسَمْعَا) سمعَ طاعةٍ وإذعانٍ؛ مُوَافَقَةً للإجماعِ. وما رُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أنَّ للبنتَيْنِ النصفَ؛ لمفهومِ قوْلِهِ تعالى: {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} فَمُنْكَرٌ لمْ يَصِحَّ عَنْهُ، والَّذِي صَحَّ عنهُ موافقةُ الناسِ، كما قَالَهُ ابنُ عَبْدِ البَرِّ.
ودليلُ الإجماعِ فيما زادَ على الاثْنَتَيْنِ الآيَةُ المذكورةُ، وهيَ قولُهُ تعالى: {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} . وفي البَيْتَيْنِ: القياسُ على الأُخْتَيْنِ، وهذا منْ أحسنِ الأَجْوِبَةِ عنْ شُبْهَةِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما السابقةِ إنْ صَحَّتْ عنهُ، وهيَ مفهومُ قَوْلِهِ تعالى: {فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} .
فائدةٌ: قولُهُ (سَمْعًا) منصوبٌ على أنَّهُ مفعولٌ مُطْلَقٌ، وعَامِلُهُ محذوفٌ وجوبًا؛ لأنَّهُ بَدَلٌ من اللفظِ بِفِعْلِهِ. والمحذوفُ عامِلُهُ وجوبًا قسمانِ: واقعٌ في الطَّلَبِ، وواقعٌ في الخَبَرِ. فيجوزُ أنْ يكونَ قولُهُ (سَمْعًا) واقعًا في الطلبِ، فيكونُ المعنى: فَاسْمَعْ لِمَنْ يقولُ باستحقاقِ الاثنتيْنِ فأكثرَ من البناتِ للثُّلُثَيْنِ. ويجوزُ أنْ يكونَ منْ قبيلِ المصدرِ الواقعِ في الخبرِ، فيكونَ المعنى: سَمِعْتُ ما وردَ من القولِ باستحقاقِ الاثنتَيْنِ فأكثرَ للثُّلُثَيْنِ سَمْعًا، واللَّهُ أَعْلَمُ.
ثمَّ ذكرَ المُصَنِّفُ الثانيَ بقَوْلِهِ:
وَهْوَ كَذْاكَ لِبَنَاتِ الابنِ فَافْهَمْ مَقَالِي فَهْمَ صَافِي الذِّهْنِ
(وهْوَ) ؛ أي: الفرضُ المذكورُ، وهوَ الثُّلُثَانِ (كذاكَ لبناتِ الابْنِ) اثنتيْنِ فأكثرَ، قياسًا على البناتِ. (فَافْهَمْ) ؛ أي: اعلمْ (مَقَالِي) ؛ أيْ: قَوْلِي، (فَهْمَ صَافِي الذهْنِ) ؛ أيْ: خَالِصِهِ منْ كُدْرَاتِ الشُّكُوكِ والأوهامِ. والذِّهْنُ: الفِطْنَةُ، والمرادُ هنا العقلُ. ويُقَالُ: ذَهُنَ -بالضَّمِّ- ذَهَانَةً، حَفِظَ قَلْبُهُ ما أُودِعَهُ.
وَهْوَ للأُخْتَيْنِ فما يَزِيدُ قَضَى بهِ الأحرارُ والعبيدُ
وذكرَ الصِّنْفَيْنِ الثالثَ والرابعَ بقولِهِ: (وهْوَ) ؛ أي: الفرضُ المذكورُ وهوَ الثُّلُثَانِ (للأختيْنِ) شقيقَتَيْنِ أوْ لأبٍ، كما صَرَّحَ بهِ (فما يَزِيدُ) عن اثنتيْنِ كثلاثٍ وأربعٍ.
وهكذا (قَضَى بهِ) ؛ أيْ: بما ذَكَرْتُهُ منْ فرضِ الثُّلُثَيْنِ مُطْلَقًا، أوْ للأُختيْنِ فأكثرَ، وهوَ المُتَبَادَرُ (الأحرارُ والعبيدُ) ؛ أيْ: أَفْتَوْا بهِ؛ فإنَّ العبدَ لا يكونُ قاضيًا. ومُرَادُهُ أنَّ ذلكَ مُجْمَعٌ عليهِ.
ولَمَّا كانَ إطلاقُ الأُختيْنِ شاملًا للأُختيْنِ من الأُمِّ، صَرَّحَ بأنَّ المرادَ: الأخواتُ لأبوَيْنِ أوْ لأبٍ لا لأُمٍّ، بقولِهِ:
هذا إذا كُنَّ لأُمٍّ وأبِ أوْ لأبٍ فَاعْمَلْ بهذا تُصِبِ
(هذا) ؛ أيْ: ما ذُكِرَ منْ فَرْضِ الثُّلُثَيْنِ للأُختيْنِ فأكثرَ، (إذا كُنَّ) ؛ أي: الأخواتُ، (لأُمٍّ وأبِ) ، وهنَّ الشقيقاتُ، (أو لأَبٍ) فقطْ لا لأُمٍّ فقطْ. (فَاحْكُمْ) ، وفي بعضِ النُّسَخِ (فَاعْمَلْ) (بهذا) الحُكْمِ المذكورِ (تُصِبِ) من الصوابِ ضدِّ الخطأِ، وهوَ منْ قَوْلِهِم: صَابَ السهمُ صَوْبًا وصَيْبًا وأَصَابَ، وقعَ بالرَّمِيَّةِ، والسحابُ المَوْضِعَ: أَمْطَرَهُ.
فائدةٌ: لا بُدَّ من اشتراطِ عدمِ المُعَصِّبِ في إرثِ هؤلاءِ الإناثِ الثُّلُثَيْنِ. ولا بُدَّ من اشتراطِ عدمِ الأولادِ في إِرْثِ بناتِ الابنِ الثُّلُثَيْنِ، وفي إرثِ الأخواتِ كذلكَ. ولا بُدَّ من اشتراطِ عدمِ الأَشِقَّاءِ في إرثِ الأخواتِ للأبِ الثُّلُثَيْنِ. وكلُّ ذلكَ معلومٌ.