الصفحة 9 من 44

ويَنْبَغِي للعاقلِ أَنْ يَتَدَبَّرَ في أَصْلِهِ، وَتَطَوُّرِهِ في أَطْوَارٍ شَتَّى، لِيَنْكَشِفَ لهُ ضَعْفُ حَالِهِ، واحْتِقَارُهُ واحْتِيَاجُهُ إلى بارئِهِ، وَيَظْهَرَ لَهُ جلالُ خَلْقِهِ وَحُسْنُ عِنَايَتِهِ بهِ، ومَا يَجِبُ عليهِ مِنْ شُكْرِهِ.

(( ويُؤْمَرُ ) )المَلَكُ (( بأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ ) )، أَيْ: يَكْتُبُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ، (( بِكَتْبِ رِزْقِهِ ) )مَعَ مَقَادِيرِهِ، وَأَوْقَاتِهِ، وَأَوْصَافِهِ، وَأَسْبَابِهِ، مِنْ مأكُولٍ ومشرُوبٍ وملبُوسٍ وغيرِهَا، (( وَ ) )بِكَتْبِ (( أَجَلِهِ ) )، مقدارِ مُدَّةِ حياتِهِ، (( وَ ) )بِكَتْبِ (( عَمَلِهِ ) )بمقدارِهِ وَوَقْتِهِ، وأَوْصَافِهِ وأحوالِهِ وأسبَابِهِ، (( وَ ) )يَكْتُبُ أنَّهُ (( شَقِيٌّ ) )إنْ كَانَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الأشقياءِ، (( أَوْ ) )يَكْتُبُ أنَّهُ (( سَعِيدٌ ) )، إنْ كانَ في [عِلَمِ اللَّهِ مِنَ السُّعَدَاءِ] .

(( فوَاللَّهِ الَّذِي ) )أَيْ: أُقسِمُ باللَّهِ الذي (( لَا إلهَ غَيْرُهُ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجنَّةِ ) )بامْتِثالِ الأوَامِرِ واجْتِنَابِ المَنَاهِي فيمَا يَبْدُو للنَّاسِ، (( حتَّى مَا يَكونَ بَيْنَهُ وبَيْنَها إلَّا ذِرَاعٌ ) )، تَمْثِيلٌ لِشِدَّةِ قُرْبِهِ منهَا، كَأنَّهُ لَمْ يَبْقَ بينَهُ وبينَهَا إلَّا الموتُ، (( فَيَسْبِقَ علَيْهِ ) )، ما كُتِبَ مِنَ الشَّقَاوَةِ و (( الكِتَابُ ) )المَسْطُورُ في بَطْنِ أُمِّهِ (( فَيَعْمَلَ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ ) )في آخِرِ أَمْرِهِ مِنَ المَعَاصِي، وَيَمُوتَ على ذلكَ (( فَيَدْخُلَهَا ) )بعدَ الموْتِ أَوْ يومَ القيامَةِ، (( وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ ) )من المعاصِي والمُنْكَرَاتِ، فيمَا يَظْهَرُ للنَّاسِ (( حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبيْنَها إلَّا ذِراعٌ فَيَسْبِقَ عَلَيْهِ ) )، ما كُتِبَ لَهُ مِنَ السَّعادَةِ في (( الكِتابِ ) )المكتوبِ في بطنِ أُمِّهِ، (( فَيَعْمَلَ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلَهَا ) )، وَلَعَلَّ هذا يكونُ تَارَةً كمَا وَقَعَ لإبليسَ، وإلَّا فَكَلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، وإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ العَامِلِينَ.

وانقلابُ الحالِ منَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ كثيرٌ، وغَالِبُ النَّاسِ يَمُوتُونَ على مَا يَعِيشُونَ، وهذا الإبهامُ هُوَ الَّذِي قَطَعَ الاعتمادَ على الأعمالِ، وَأَقْلَقَ قلوبَ الأَخيارِ، فلا يَزَالُونَ بينَ الخَوفِ والرَّجاءِ، حتَّى يُجَاوِزُوا عَقَبَةَ الموتِ، وحينئذٍ يَعْلَمُ الإنسانُ بماذَا خَتَمَ اللَّهُ لَهُ.

اللَّهُمَّ أَحْيِنَا على مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَأَمِتْنَا عَلى ذَلِكَ بِفَضْلِكَ.

الحديثُ الخامسُ

عَنْ أُمِّ المُؤمِنِينَ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنها قالَتْ: قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهْوَ رَدٌّ ) ). رَوَاهُ البُخَارِيُّ ومسلمٌ، وفي روايةٍ لمسلمٍ: (( مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهْوَ رَدٌّ ) ). (1) .

(1) تَرْجَمَةُ الرَّاوِي:

أُمُّ المُؤْمِنِينَ في التكريمِ، أُمُّ عبدِ اللَّهِ، كَنَّاهَا النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سَأَلَتْهُ أَنْ يُكَنِّيَهَا بِابنِ أُختِهَا أَسْمَاءَ، عَبْدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، عائِشَةُ بنتُ الصِّدِّيقِ الأكبرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، سَيِّدَةُ الأزوَاجِ بعدَ خَديجَةَ، حَبِيبَةُ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الفَقِيهَةُ الكُبْرَى، مَاتَتْ سَنَةَ سبعٍ أَوْ ثمانٍ وخمسينَ عَنْ ستٍّ وستِّينَ سنةً، ودُفِنَتْ بالبقيعِ مَعَ صُوَيْحِبَاتِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنهُنَّ.

الشرحُ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت