قالَتْ [عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:] قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ أَحْدَثَ ) )ابْتَدَعَ وأَدْخَلَ، (( في أَمْرِنَا ) )شَرْعِنَا (( هذَا ) )الكَامِلِ الذي لا يُزادُ فيهِ ولا يُنْقَصُ، (( مَا لَيْسَ مِنْهُ ) )بِوَجْهٍ من الوُجوهِ، بأَنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ كتابٌ ولَا سُنَّةٌ، ولَمْ يُؤْخَذْ مِنهُمَا أَخْذًا صَحِيحًا؛ إذِ المَأْخُوذُ مِنهُمَا أَخْذًا مُعْتَبَرًا مَقْبُولٌ.
(( فَهْوَ رَدٌّ ) ): مَرْدُودٌ عِندَ اللَّهِ تعالَى، أَوْ مَرْدُودٌ على وجهِ صاحِبِهِ.
رَوَاهُ البخاريُّ ومُسْلِمٌ.
وفي روايةٍ لمسلمٍ: (( مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا ) )لا يَرْجِعُ إلى أَصْلٍ شَرْعِيٍّ (( فَهُوَ رَدٌّ ) ).
البِدْعَةُ: مَا أُدْخِلَ في الدينِ ولَيْسَ مِنْهُ بِوَجْهٍ. ومَعْرِفَةُ البِدْعَةِ من السُّنةِ والمَشروعِ مِنْ أَهمِّ الأُمورِ وأَصعَبِهَا، وهيَ موقوفَةٌ على معرفَةِ الكتَابِ والسنَّةِ والإجْمَاعِ، ومَا أُخِذَ مِنْ ذَلكَ بوجهٍ مُعْتَبَرٍ، وعَلى معرفةِ أقوالِ الرَّاسِخِينَ في العِلمِ، وكَمْ مِنْ بِدَعٍ بالجَهْلِ تُجْعَلُ سُنَنًا، وكَمْ مِنْ سُنَنٍ بهِ تُعْتَقَدُ بِدَعًا، وهيَ أَقبَحُ المَعَاصِي؛ لِمَا فيهَا مِنَ الإِدخَالِ في الدينِ الذي لا يَجُوزُ إِدْخَالُ غَيْرِهِ فيهِ، وإيهامِ أنَّهُ ناقِصٌ يَحْتَاجُ إلى الزيادةِ - وقدْ أَكْمَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى - واعْتِقَادِ البَاطِلِ حَقًّا.
ولذا قَلَّمَا يُوَفَّقُ صَاحِبُهَا للتوبةِ؛ لأنَّ مَنِ اعْتَقَدَ الشَّيْءَ حقًّا لا يَتُوبُ عَنْهُ، وهيَ في الأُصُولِ والعقائِدِ أَقْبَحُ مِنْهَا في الفُروعِ، وأَبَى اللَّهُ أَنْ يَقْبَلَ عَمَلَ صاحبِ البِدعَةِ حتَّى يَتُوبَ مِنْ بِدْعَتِهِ.
وقدْ ظَهَرَتْ في زَمَانِنَا البِدَعُ والفِتَنُ، وَمَاتَت السُّنَنُ، فَقَلَّمَا تَرَى أَحَدًا خالِيًا عن دَنَسِهَا [وَ] اللَّهُ الْحَافِظُ.
الحديثُ السادسُ
عَنْ أَبي عَبْدِ اللَّهِ النُّعمانِ بنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقولُ: (( إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَن اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ: أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ ) ). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (1) .
(1) ترجمةُ الصحابيِّ راوِي الحدِيثِ:
النعمانُ بنُ بَشِيرٍ الأَنْصَارِيُّ الخَزْرَجِيُّ، قُتِلَ في بعضِ قُرَى (حِمْصَ) سِنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
الشرحُ:
(قالَ) [أبو عبدِ اللَّهِ:] سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: (( إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ ) )ظاهرٌ حُكْمُهُ، وهُوَ أنَّهُ لا مُؤَاخَذَةَ في فِعْلِهِ وَتَنَاوُلِهِ أوِ غالِبِ أَفْرَادِهِ عندَ أهلِ العلمِ، (( والحَرامَ بَيِّنٌ ) )حُكْمُهُ، وهُوَ أنَّهُ في فِعْلِهِ وَتَنَاوُلِهِ مُؤَاخَذَةٌ، أو غَالِبِ أفرادِهِ عندَ أهلِ العلمِ، (( وبَيْنَهُمَا ) )لِتَعَارُضِ دَلَائِلِهِمَا، وللجَهْلِ بِهِمَا (( مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ ) )حُكْمَهُنَّ أو ذَوَاتِهِنَّ، (( كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ ) )لِخَفَاءِ حُكْمِهِنَّ، فالورعُ تَرْكُهَا؛ إذْ في تَنَاوُلِهَا وَتَعَاطِيهَا احتمالُ ارْتِكَابِ الحرامِ، (( فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ ) )أَيْ: اجْتَنَبَهَا (( فَقَدِ اسْتَبْرَأَ ) )طَلَبَ [البَرَاءَةَ] (( لِدِينِهِ ) )من الذَّمِّ (( وعِرْضِهِ ) )من الوقوعِ فيهِ بالغِيبَةِ ونحوِهَا؛ لأنَّ صاحبَ الشُّبُهَاتِ يَجْعَلُ نَفْسَهُ عَرَضًا لوقُوعِ الناسِ فيهِ، (( وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهاتِ ) )بِتَعَاطِيهَا (( وَقَعَ فِي الْحَرَامِ ) )المَحْضِ، أَيْ: كانَ يَصْدُرُ الوُقُوعُ منهُ فيهِ؛ لأنَّ