مَنْ أَكْثَرَ تَعَاطِيَهَا رُبَّمَا صَادَفَ الحَرَامَ الصِّرْفَ، وإنْ لم يَتَعَمَّدْهُ، وقدْ يَأْثَمُ بذلكَ إذْ هُوَ السببُ إلى التقصيرِ؛ لأنَّ التسَاهُلَ في المُبَاحَاتِ [يُؤَدِّي إلى المُتَشَابِهَاتِ] والتَّسَاهُلَ فيهَا يُؤَدِّي إلى الحرامِ، كمَا أَنَّ المُحَافَظَةَ على أَدْنَى الطاعاتِ يُؤَدِّي إلى أَعْلَاهَا، مثالُ وَاقِعِهَا (( كالرَّاعِي يَرْعَى ) )المَاشِيَةَ (( حَوْلَ الحِمَى ) ) [و] هُوَ مَا يَحْمِيهِ بعضُ الرُّؤَسَاءِ والأمراءِ لِمَوَاشِيهِ، وَيَمْنَعُ غَيْرَهُ عَنِ الرَّعْيِ فيهِ، وَيُعَاقِبُ مَنْ رَعَى فيهِ.
(( يُوشِكُ ) )يَقْرُبُ (( أَنْ يَرْتَعَ فيهِ ) )أي: تَأْكُلَ مَاشِيَتُهُ مِنهُ فَيُعَاقَبَ.
(( ألَا ) )تَنَبَّهُوا يَا أيُّها الغافلونَ الوَاقِعُونَ في الشُّبُهَاتِ
(( وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى ) )يَحْمِيهِ لِدَوَابِّهِ، وَيَمْنَعُ غَيْرَهُنَّ، وَيُعَاقِبُ الرَّاعِيَ فيهِ.
(( أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ ) ): ما مَنَعَ منهُ عبادَهُ، (( مَحَارِمُهُ ) )؛ فَلَا تَقْرَبُوهَا ولا تَرْتَكِبُوهَا؛ لِئَلَّا تَسْتَحِقُّوا العِتَابَ والعِقَابَ، وهذَا مِنْ بابِ تَشْبِيهِ المجموعِ بالمجموعِ، وهُوَ أَبْلَغُ تَشْبِيهٍ، شَبَّهَ الحقَّ جلَّ وعَلَا بالمَلِكِ، والعَبْدَ المُكَلَّفَ بالرَّاعِي، والذُّنُوبَ بالحِمَى، والمُشْتَبِهَاتِ بِمَا قَارَبَ الحِمَى، ومَنْعَ اللَّهِ تَعَالَى مِن الذنوبِ بِمَنْعِ المَلِكِ عَنِ الحِمَى، وَعِقَابَهُ وَغَضَبَهُ عَلَيْهَا بعقابِهِ وَغَضَبِهِ على الراعِي فيهِ.
فاللَّهَ اللَّهَ يا عِبَادَ اللَّهِ، إِيَّاكُمْ ومُخَالَفَةَ هذَا القَهَّارِ الذي يُدْخِلُ أَهْلَ الأَوْزَارِ في سِجْنِ النارِ وَبِئْسَ القرارُ.
(( ألَا وَإِنَّ في الْجَسَدِ مُضْغَةً ) )قِطْعَةَ لَحْمٍ (( إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ) )فبإصْلَاحِهِ فَاهْتَمُّوا، وَبِتَطْهِيرِهِ فَاعْتَنُوا، (( وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ) )فَإِفْسَادَهُ اجْتَنِبُوا.
(( أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ ) )الذي عَليْهِ مدارُ الجسَدِ صَلَاحًا وفَسَادًا، فَمَنْ طَهَّرَهُ عَنْ أَوْسَاخِ الأخلاقِ الذَّمِيمَةِ، وَأَقْذَارِ الأَوْزَارِ، وَزَيَّنَهُ بِزِينَةِ الأخلاقِ الكريمةِ، وأَنوارِ الطَّاعاتِ، فقدْ أَصْلَحَهُ، وَبِصَلَاحِهِ يَصْلُحُ الجَسَدُ، فلَا يَكُونُ صَاحِبُهُ إِلَّا سَاعِيًا فيمَا يُرْضِي مَوْلَاهُ، مُجَانِبًا عَمَّا عَدَاهُ، وهذَا هُو الفائِزُ.
ومَنْ دَنَّسَ قَلْبَهُ بالأَخْلَاقِ القبيحةِ، والأعمالِ الرَّدِيَّةِ، فَقَدْ أَفْسَدَهُ، وَبِفَسَادِهِ يَفْسُدُ الجسَدُ، فلَا تَرَى صَاحِبَهُ إلَّا مُبْتَلًى بِمَا يُسْخِطُ سَيِّدَهُ، وهذَا هُوَ الخاسِرُ، واللَّهُ المُعِينُ.
قالَ العُلَمَاءُ: إنَّ هذَا الحديثَ أَحدُ الأحاديثِ التي عَلَيْهَا مَدَارُ الإِسْلَامِ.