الأَحْمَقِ أَسْعَدَ [الناسِ] بالدُّنيَا، وهذا يُؤْذِنُ بقُرْبِ وقوعِ القيامةِ، وقدْ ظَهَرَ مَا ذَكَرَ الصادقُ المَصْدُوقُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أَزْمِنَتِنَا هَذِهِ.
(ثمَّ انْطَلَقَ) جبريلُ (فَلَبِثْتُ) زَمَنًا (مَلِيًّا) كَثِيرًا، وقدْ بَيَّنَ ذلكَ بثلاثِ ليالٍ، (ثمَّ قالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِي: (( يَا عُمَرُ، أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ ) )عَنْ تِلْكَ المسْألةِ؟ (قُلْتُ: اللَّهُ ورسُولُهُ أَعْلَمُ) مِنَّا، ولَا عِلْمَ لي بِهِ، (قالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ ) )ظَهَرَ في صورةِ رَجُلٍ (( أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ ) )أَمْرَ (( دِينِكُمْ ) )فَإِنَّ تَحْصِيلَهُ مِنْ أهَمِّ المَهَمَّاتِ؛ إذْ لَا بُدَّ مِنْ سُلُوكِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، ولَا يَتَأَتَّى إلَّا بالعلمِ بهِ؛ إذِ العِلْمُ قَائِدٌ إلى العَمَلِ.
الحديثُ الثالثُ
عن أبي عَبدِ الرَّحمنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ ) ). رَوَاهُ البُخاريُّ وَمُسْلِمٌ (1) .
(1) ترجَمَةُ الصحابيِّ رَاوِي الحدِيثِ:
[عبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ] رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَسْلَمَ مَعَ أبيهِ بِمَكَّةَ وهاجَرَ مَعَهُ، وكانَ مِنْ فقهاءِ الصَحَابةِ وزُهَّادِهِمْ، وَاعْتَزَلَ الفِتَنَ، قالَ نافعٌ: أَعْتَقَ ألفَ رَقَبَةٍ أَوْ زَادَ. وَقِيلَ: حَجَّ سِتِّينَ حَجَةً، وَأَعْمَرَ ألفَ عُمْرَةٍ، وَحَمَلَ على ألفِ فرسٍ في سبيلِ اللَّهِ. مَاتَ عن سِتَّةٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، سنَةَ ثلاثٍ وسَبْعِينَ، ودُفِنَ بِذِي طُوًى في مَقْبَرَةِ المُهَاجِرِينَ.
الشَّرحُ:
قالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( بُنِيَ الْإِسْلَامُ ) )أَيْ: الدِّينُ (( على خَمْسٍ ) )مِنَ الدَّعَائِمِ: (( شَهادَةِ أَنْ لا إِلهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللَّهِ ) ). مَعَ التَّصْديقِ بالقلبِ، ودَخَلَ فِيهَا بالإقرارِ برِسَالتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والتصديقِ بهِ، والتصديقِ بحقيقةِ الحقِّ، وبُطْلانِيَّةِ البَاطِلِ، (( وَإِقَامِ الصَّلاةِ ) )كَمَا يَنْبَغِي إِقَامَتُهَا، (( وَإيتاءِ الزَّكاةِ ) )ابْتِغَاءً لِمَرْضَاةِ اللَّهِ، (( وَحَجِّ البَيْتِ ) )لِمَنِ استطاعَ إليْهِ سَبيلًا، (( وَصوْمِ رَمَضَانَ ) )كلَّ عامٍ، وهَذَا مِنْ بِنَاءِ الشَّيءِ عَلى أَعْظَمِ أَرْكَانِهِ، فالشَّهادةُ أَسَاسُ الكُلِّ، عَلَيْهَا بُنِيَ الدينُ كُلُّهُ، وبِذَهَابِهَا يَذْهَبُ الدينُ كُلُّهُ، وما سِوَاهَا مِنَ الأربَعةِ المَذْكُورَةِ بِنَاءٌ بالنسبَةِ لها، وأساسٌ من وجهٍ بالنسبةِ إلى غَيْرِهَا، والصورةُ هكذَا، وبسقوطِ إِحْدَى هذهِ الأربعةِ يَسْقُطُ جانبٌ عظيمٌ مِنَ الإسلامِ، ولَا يَسْقُطُ الإسلامُ كُلُّهُ عِنْدَ الجمهورِ. والمقصودُ مِنَ الحديثِ الحَثُّ على تحصيلِ هذهِ وَتَتْمِيمِهَا وتَحْسينِها؛ إذْ هيَ الأساسُ الذي عليهِ مدارُ البِنَاءِ، مَنْ لَم يُحْكِمِ الأُصولَ لم يَفُزْ بالوصولِ.