(1) (( والقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ) )بأَنْ تُؤْمِنَ أنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ عَلِمَ الأشياءَ كُلَّهَا، عِلْمَهُ الأَزَلِيَّ، وَقَدَّرَ لكلٍّ مِقْدَارًا، لَا يَزِيدُ عليهِ ولا يَنْقُصُ، وَزَمَنًا لا يَتَقَدَّمُ عليهِ ولا يَتَأَخَّرُ عنهُ، وَقَدَّرَ الخيرَ في حقِّ مَنْ أرادَ أنْ يُقدِّرَهُ فلَا يُصْرَفُ عنهُ أبدًا، وَقَدَّرَ الشَّرَّ في حقِّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُقَدِّرَهُ فلَا يُحْفَظُ عنهُ أَبَدًا؛ لِأنَّه مَا قُدِّرَ يَكُونُ.
(قالَ) جبريلُ: (صَدَقْتَ) فيمَا ذكَرْتَ؛ فإنَّ الأمرَ كمَا فَسَّرْتَ. (قالَ) جِبْريلُ: (فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإحسَانِ) المرادُ بالإحسَانِ هُنَا الإخْلَاصُ، وهُوَ شَرطٌ في صِحَّةِ الإيمانِ والإسْلامِ مَعًا؛ وذلكَ لأنَّ مَنْ يَلْفِظْ بالكلمةِ وجَاءَ بالعَمَلِ بغيرِ نِيَّةٍ لمْ يَكُنْ مُحْسِنًا الإحسانَ المَذْكُورَ في القرآنِ في قولِهِ تَعَالَى: {لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الْحُسْنَى} ، {وَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} ، {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [سورة الرحمن: 60] . مَا هُوَ؟ قَالَ: (( أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ ) )الذي خَلَقَ الجِنَّ والإِنْسَ لعبَادَتِهِ عَمَلًا وَتَرْكًا وَقَوْلًا وفِعْلًا وَظَاهِرًا وَبَاطِنًا، مَعَ كمالِ حُضُورِ القَلْبِ وخُشُوعِ الجَوَارحِ، والإقبالِ إليهِ (( كَأَنَّكَ تَرَاهُ ) )بِعَيْنِكَ، ولو قَدَرَ أَحَدٌ [أَنْ] يُعَايِنَ رَبَّهُ في عِبَادَتِهِ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا ممَّا يَقْدِرُ عليهِ منَ الخُضُوعِ والخُشُوعِ ومِنَ السَّمْتِ واجْتِمَاعِهِ بظاهِرِهِ وباطِنِهِ على الاعتناءِ بِتَتْمِيمِهَا على أحسنِ الوجوهِ.
(( فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ ) ). لأَنَّ رُؤْيَتَهُ بالعينِ في الدُّنيا مُحَالٌ؛ لِأنَّهُ {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} (( فَإِنَّهُ يَرَاكَ ) )إِذْ لا تَخْفَى عليهِ خَافِيَةٌ، سَوَاءٌ لَدَيْهِ الدَّانِيَةُ والقَاصِيَةُ، يَرَى الضَّمائرَ كمَا يَرَى الظَّاهِرَ، وَرُؤْيَتُهُ إيَّاكَ تَكْفِي في مُرَاعَاةِ الحُضُورِ والخشُوعِ في عِبَادَتِهِ، ولا بُدَّ للإِنسانِ من التَّخَلِّي والتَّحَلِّي، حتَّى يكونَ أَهْلَ التَّجَلِّي، فالتَّخَلِّي أنْ يُطَهِّرَ ظَاهِرَهُ وباطِنَهُ عنْ قاذُورَاتِ الذنوبِ، والأخلَاقِ الذميمةِ بالتوبةِ الصادقةِ.
وحرامٌ على مَنْ كانَ مُتَدَنِّسًا بِدَنَسِ المعاصِي والأخلاقِ القَبيحةِ أَنْ يُؤْذَنَ لهُ بالدُّخُولِ في الحضرَةِ الرَّبَّانِيَّةِ؛ إذْ لا يَدْخُلُهَا إلَّا المُطَهَّرونَ.
والتَّحَلِّي أنْ يُزَيِّنَ ظَاهِرَهُ وباطِنَهُ بالطَّاعاتِ والخيراتِ، وَيُزِيلَ بِها ظُلُمَاتِ السَّيِّئَاتِ، فمَن تَطَهَّرَ عَنْ نجاسةِ المُخَالَفَاتِ، وَتَزَيَّنَ بِزِينَةِ الطَّاعَاتِ اسْتَأْهَلَ أَنْ يَتَجَلَّى بقَلْبِهِ رَبُّ الموجوداتِ، وحينئذٍ يَفُوزُ بعمَلِ مَا أَشَارَ إليهِ سَيِّدُ العَارِفِينَ بقولِهِ: (( أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ ... إلخ ) ). قَالَ جبريلُ: صَدَقْتَ فِيمَا ذَكَرْتَ، وَيَنْبَغِي لأهلِ الإسلامِ أَنْ يَتَّصِفُوا بالإسلامِ والإيمانِ.
(قَالَ: فأَخْبِرْنِي عَنْ) وقْتِ قِيَامِ (السَّاعَةِ) ، (قالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الجوابِ نَافِيًا عَنْ نفسِهِ العلمَ بوجهٍ خاصٍّ، تَلْخِيصُهُ: أَنْتَ وَأَنَا مُتَسَاوِيَانِ في أنَّا لا نَعْلَمُ أنَّ السَّاعةَ مَجِيئُهَا في وقتٍ منَ الأوقاتِ، ولا مَزِيدَ في تَعَدُّدِ العلمِ حتَّى يَتَيَقَّنَ عِندَهُ المسؤولُ عنهُ، وهُوَ الوقتُ المُعَيَّنُ الذي يَتَحَقَّقُ مَجِيئُهَا، واللَّهُ أَعْلَمُ بالصَّوابِ.
(( مَا المَسْؤُولُ عَنْها ) ). يُرِيدُ نَفْسَهُ الكريمةَ، أَوْ كَلَّ مسؤولٍ عَنهَا، (( بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ ) )أيْ: مِنْكَ، أَوْ مِنْ كُلِّ سَائلٍ، بَلِ الكلُّ سَوَاءٌ في عدمِ علمِ زمنِ وقوعِهَا؛ لأنَّ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعةِ، لا عِنْدَ غيرِهِ، وأَشارَ جبريلُ بهذِهِ المسألةِ، والنَّبيُّ [صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] بالأَجْوِبَةِ، أنَّهُ يَنْبَغِي للسائلِ أنْ يَسْأَلَ عَمَّا يَنْبَغِي السؤالُ عَنْهُ، ولَا يَسْأَلَ عَمَّا لا يَلِيقُ السُّؤَالُ عَنْهُ، وَيَنْبَغِي للمُجِيبِ أَنْ يُجِيبَ بِمَا يَعْلَمُ وَيُفَوِّضَ العِلمَ أو يقولَ: لا أَعْلَمُ، ومِنَ العلمِ عِلْمُ الإنسانِ بِجَهْلِهِ.
(قالَ) جبريلُ: (فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا) أيْ: علاماتِ قُرْبِ وُقُوعِهَا. (قالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا ) )أَيْ: سَيِّدَتَهَا، قِيلَ: هذَا إشارةٌ إلى كَثْرةِ أَوْلَادِ المَمْلُوكَاتِ. وقيلَ: هذَا كنايةٌ عنْ كثرةِ العُقُوقِ في الأَولادِ حتَّى يكونَ السَّاداتُ والآباءُ والأُمَّهاتُ كالمَمْلُوكِينَ والمَمْلُوكَاتِ في الحكمِ عليهِم والجرأةِ وقلَّةِ الأدَبِ مَعَهمُ. (( وأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ ) )جمعُ حَافٍ، وهُوَ مَنْ لا نَعْلَ بِرِجْلِهِ، (( الْعُرَاةَ ) )عَنْ كَثيرٍ من الثِّيابِ، (( الْعَالَةَ ) )الفقراءَ، (( رِعَاءَ الشَّاءِ ) )رِعَاءَ الغَنَمِ، أَخِسَّاءَ النَّاسِ عِنْدَهُمْ، (( يَتَطَاوَلُونَ ) )يَتَفَاخَرُونَ بطُولِ (( البُنْيَانِ ) )وهذا كنايةٌ عَنِ انْقِلَابِ الأمرِ وصَيْرُورَةِ الدُّنيا وَمَنَاصِبِهَا إلى غيرِ أهلِهَا، وَصَيْرُورَةِ