وَنَبَّهَ بِوَضْعِ يَدَيْهِ على رُكْبَتَي النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِقَوْلِهِ: يَا مُحَمَّدُ، أَنَّهُ يَنْبَغِي للمُعَلِّمِ أَنْ لا يَبْخَلَ بالتَّعْلِيمِ والنُّصْحِ عِنْدَ قِلَّةِ تَأَدُّبِ المُتَعَلِّمِ، فِعْلًا وَقَوْلًا؛ إذ العِلْمُ أَمَانَةٌ يَنْبَغِي أَدَاؤُهَا إلى أَهلِهَا، أَخَذُوهَا بِتَأَدُّبٍ أَوْ لَا، وإليهِ يُشِيرُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} . وَقَوْلُهُ تَعالَى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} . وَقَدْ جَاءَ جِبْريلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُعَلِّمًا.
(أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلامِ) الْذي يَتَعَلَّقُ بالظَّاهِرِ، ويَحْفَظُ الدِّماءَ وَالأَمْوَالَ والأَوْلَادَ والذُّرِّيَّةَ. (فَقَالَ رسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مُجِيبًا لهُ عَمَّا سَأَلَ: الإسلامُ الذي تُرِيدُ تَفْسِيرَهُ، (( أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ ) )بوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ (( إِلَّا اللَّهُ ) )الواجِبُ الوُجودِ المُنْفَرِدُ بالأُلُوهيَّةِ، الموصوفُ بأَوصَافِ الكَمَالِ، المُقَدَّسُ عَنْ سِمَاتِ أهْلِ الزَّوَالِ، (( وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ) )رَسُولُ اللَّهِ إلى النَّاسِ والجِنِّ، وأَنَّ مَا جَاءَ بهِ فهُوَ حَقٌّ، (( وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ ) )المفرُوضَةَ بِفَرَائِضِهَا وَوَاجِبَاتِهَا وَمَنْدُوبَاتِهَا، مُجَانِبًا عَنْ مُفْسِدَاتِهَا وَمَكْرُوهَاتِهَا وَعَمَّا لَا يَلِيقُ بِهَا، (( وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ ) )إِنْ وَجَبَتْ عَلَيْكَ، (( وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ ) )بفِعْلٍ مَخْصُوصٍ، في زمَانٍ مَخْصُوصٍ، (( إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) )، بالزَادِ والرَّاحَةِ بِشُرُوطِهَا المُقَرَّرَةِ في مَحَلِّهَا، وهذَا إشارةٌ إلى أنَّ الإسلامَ عِبَارَةٌ عن تَحْلِيَةِ الظاهرِ بالعبادَةِ، وأَشَارَ بهذهِ الخمسِ إلى أُصُولِهَا؛ لأنَّ العِبَادَةَ المُتَعَلِّقَةَ بالظَّاهرِ، إِمَّا مَالِيَّةٌ وإليْهِ الإشَارةُ بالزَّكاةِ، أَو مَالِيَّةٌ بَدَنِيَّةٌ، وإليهِ الإشَارَةُ بالحَجِّ، أَوْ بَدَنِيَّةٌ وهيَ تَزْكِيَةٌ، وإليْهِ الإِشَارَةُ بالصَّوْمِ، أَوْ عَمَلِيَّةٌ قَوْلِيَّةٌ فَقَطْ وإليهِ الإشَارَةُ بالشَّهَادَتَيْنِ، أو فِعْلِيَّةٌ وَقَوْلِيَّةٌ وإليهِ الإشَارَةُ بالصَّلاةِ.
(قالَ) جِبْريلُ: (صَدَقْتَ) فِيمَا قُلْتَ. وَنَبَّهَ بهذَا أَنَّ مِنْ حَقِّ رسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يُصَدَّقَ في كُلِّ ما يَقُولُ؛ إذْ هُوَ معصُومٌ عنِ الكَذِبِ، {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} ويُسَلَّمُ أَمْرُهُ تَسْلِيمًا.
(قَالَ) عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (فَعَجِبْنَا لَهُ) أَيْ: مِنْهُ، أَوْ لِأَجْلِهِ (يَسْأَلُهُ) , ومُقْتَضَى السُّؤالِ عَدَمُ العِلْمِ بالمَسْؤُولِ، (وَيُصَدِّقُهُ) وَمُقْتَضَى التَّصْدِيقِ العِلْمُ بِهِ.
(قالَ) جبريلُ عليهِ السَّلامُ: (فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإيمَانِ) الذي هوَ مُتَعَلِّقٌ بالباطِنِ , وعَليْهِ مدارُ الدِّينِ، قالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جَوَابِهِ: الإيمَانُ (( أَنْ تُؤْمِنَ ) )تُصَدِّقَ بِقَلْبِكَ تصْدِيقًا لَا يَطْرَأُ عليهِ الشَّكُّ أَبَدًا (( باللَّهِ ) )بأنَّهُ مَوْجُودٌ بِذَاتِهِ، واحِدٌ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأَفْعالِهِ، مُنْفَرِدٌ بأُلوهيَّتِهِ، لَا شَريكَ مَعَهُ بِوجهٍ مَا، موصُوفٌ بكلِّ كَمَالٍ يَلِيقُ بهِ , مُنَزَّهٌ عَمَّا لَا يَلِيقُ بهِ.
(( وَمَلَائِكَتِهِ ) )بأنَّهُم عِبَادُ اللَّهِ المُكْرَمُونَ لَا يَعْصُونَ، وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ، ومَا مِنهُمْ أحدٌ إلَّا لَهُ مقامٌ مَعْلُومٌ.
(( وَكُتُبِهِ ) )بأنَّها كَلَامُهُ الحَقِيقِيُّ، تَكَلَّمَ بهَا كمَا يَلِيقُ التَّكَلُّمُ بهِ، ويُسمِعُ كَلَامَهُ مَنْ يَشَاءُ اسْتِمَاعَهُ كَيْفَ يَشَاءُ، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} .
(( وَرُسُلِهِ ) )بِأَنَّهُمْ عِبادُ اللَّهِ المُكرَمُونَ عَصَمَهُمْ عَمَّا لا يَلِيقُ بِجَنَابِهِم، وَأَرْسَلَهُم إلى خَلْقِهِ لِهِدَايَتِهِم وَتَكْمِيلِ مَعَاشِهِمْ ذومَعَادِهِم، وَأَيَّدَهُمْ بالمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةِ على صِدْقِهم، وَبَلَّغُوا مَا أُمِرُوا بِهِ، وَيَجِبُ تَعْظِيمُهُم وتَنْزِيلُهُم مَنَازِلَهُم، أَوَّلُهُم آدَمُ صَفِيُّ اللَّهِ، وَآخِرُهُم وَأَجَلُّهُم مُحَمَّدٌ حَبِيبُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(( وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) )الذي ليسَ بعدَهُ ليلٌ، قِيلَ: هوَ مِنَ الموتِ إلى آخِرِ مَا يَقَعُ يومَ القيامَةِ، أَيْ: تُؤْمِنَ بِوُجُودِهِ، وما اشْتَمَلَ عَليهِ مِنْ سُؤَالِ المَلَكَيْنِ، وَنَعِيمِ القبرِ وَعَذَابِهِ والبَعثِ والحِسَابِ والمِيزَانِ والصِّرَاطِ، والجَنَّةِ والنَّارِ وغيرِ ذَلكَ، أَنْ تُؤْمِنَ [بِهِ] .