الصفحة 4 من 44

الحديثُ الثاني

عن عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَيْضًا قَالَ:"بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذاتَ يَوْمٍ إذْ طلَعَ عَلَيْنا رَجُلٌ شَديدُ بياضِ الثِّيابِ، شَديدُ سَوادِ الشَّعْرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حتَّى جَلَسَ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إلى رُكْبَتَيْهِ، ووَضَعَ كَفَّيْهِ على فَخِذَيْهِ وَقالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلامِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) ). قَالَ: صَدَقْتَ. فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإيمانِ. قالَ: (( أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ) ). قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ. قَالَ: (( أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ) ). قالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعةِ. قالَ: (( مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ ) ). قالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا. قالَ: (( أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ ) ). ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قالَ: (( يَا عُمَرُ، أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ ) )قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قالَ: (( فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ ) )". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (1) .

(1) [تَرْجَمَةُ الصَّحَابِيِّ رَاوِي الحَدِيثِ: تَقَدَّمَتْ فِي الحَدِيثِ الأَوَّلِ]

الشَّرحُ:

قالَ: (بَيْنَمَا) أَيْ: بَيْنَ أَوْقاتٍ (نَحْنُ) كَائِنُونَ (عِنْدَ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذاتَ يَوْمٍ) زِيدَتِ الذَاتُ لِرَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّ المُرَادَ من اليَوْمِ مُطلَقُ الوَقْتِ. (إذْ) فُجَائِيَّةٌ (طَلَعَ) ظَهَرَ (عَليْنَا) رجلٌ , أَيْ: جِبْريلُ عليهِ السَّلامُ في صُورَةِ رَجُلٍ، وَقَدْ مَكَّنَ اللَّهُ تَعَالى للملائِكَةِ منْ أَنْ يَتَصَوَّرُوا وَيَظْهَرُوا في أيِّ صورةٍ شَاءُوا (شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ) أي: شَعْرِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ. (لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ) مِنْ تَغَيُّرِ اللَّوْنِ وَتَدَنُّسِ الثِّيابِ، والتَّغَيُّرِ بالغُبارِ، وفي رِوَايةٍ: أَحسَنُ النَّاسِ وَجْهًا، وَأَطْيَبُ النَّاسِ رِيحًا، كَأَنَّ ثِيَابَهُ لَمْ يَمَسَّهَا دَنَسٌ (وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ) فَعَجِبْنَا منهُ؛ إذْ لَوْ كَانَ مُسَافِرًا لَظَهَرَ عَليْهِ أَثَرُهُ، وَلَوْ كَانَ منْ أهلِ المدينةِ لعَرَفْنَاهُ؛ إذْ لا يَخْفَى سُكَّانُهَا عَلَيْنَا، فَلَمْ يَزَلْ يَمْشِي (حَتَّى جَلَسَ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَأَدُّبًا مَعَهُ، وَنَبَّهَهُ بهذَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلمُتَعَلِّمِ أَنْ يَتَأدَّبَ معَ المُعَلِّمِ كَمَالَ التَّأَدُّبِ؛ إذْ هُوَ وَارِثُ الأَنبيَاءِ علَيْهِم السَّلامُ، يُقَرِّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِتَعْلِيمِهِ، وصَاحِبُ الأدبِ فائزٌ، وَفاقِدُهُ خَاسِرٌ، (وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ) (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كَمَا جاءَ ذلكَ صَريحًا في روَايةِ النَّسائيِّ، ولَفْظُهَا: أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْلِسُ معَ أَصْحابِهِ فلَا يَعْرِفُهُ الغَريبُ، فَبُنِيَتْ لهُ مِصْطَبَةٌ مِنْ طِينٍ، فجَاءَهُ جِبْريلُ وَهُوَ عليها، فقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا مُحمَّدُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ، فقالَ: أَدْنُو يا مُحَمَّدُ؟ قالَ: (( ادْنُهْ ) )، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ: أَدْنُو؟ فيَقُولُ: (( ادنُهْ ) )حتَّى وَضَعَ يَديْهِ على رُكْبَتَي النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ) ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت