الصفحة 38 من 44

(( وَلَا تَبَاغَضُوا ) ): وَلَا يُبْغِضْ بَعْضُكُم بَعْضًا، أَوْ لا تَفْعَلُوا مَا يُوجِبُ التَّبَاغُضَ؛ فَإِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيهِ مَفَاسِدُ جَمَّةٌ في الدُّنيا، وَوَبَالٌ في العُقْبَى.

(( وَلَا تَنَاجَشُوا ) ): ولا يَنْجُشْ بَعْضُكُم لِبَعْضٍ، والنَّجَشُ في اللُّغَةِ: الخَدِيعَةُ، وفي الشَّرْعِ: الزِّيَادَةُ في الثَّمَنِ المَدْفُوعِ في العُرُوضِ للبَيْعِ، لِيَغُرَّ غَيْرَهُ وَيَخْدَعَهُ، وهُوَ حَرَامٌ.

(( وَلَا تَدَابَرُوا ) ): وَلَا يُعْرِضْ بَعْضُكُمْ عَنْ بعضٍ، بَلْ يُقْبِلُ بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ بِوُجُوهٍ مُسْتَبْشِرَةٍ وَقُلُوبٍ عَنِ الحِقْدِ وَالعَدَاوَةِ مُطَهَّرَةٍ، وَأَلْسِنَةٍ حُلْوَةٍ.

(( وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى [بَيْعِ] بَعْضٍ ) )، بأَنْ يَقُولَ أَحَدُكُمْ لِمَنْ سَاوَمَ بائِعًا مَتَاعَهُ: اتْرُكْنَا وَأَنَا أَبِيعُكَ مِثلَ مَا تُريدُ بِأَرْخَصِ الثَّمَنِ، أَوْ يَقُولَ لِمَنَ أَرَادَ بَيْعَ مَتَاعِهِ مِنْ رَجُلٍ: اتْرُكْنَا وَأَنَا أَشْتَرِي مِنْكَ بِأَعْلَى الثَّمَنِ.

وكلُّ ذَلِكَ يُنَافِي أُخُوَّةَ الإِسْلامِ؛ إذِ المُؤْمِنُ يُحِبُّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ.

(( وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ ) )أَيْ: تَعَامَلُوا مَعَ اللَّهِ مُعَامَلَةَ العُبُودِيَّةِ الصِّرْفَةِ، بِأَنْ تَأْخُذُوا بِمَأْمُورَاتِهِ وَتَدَعُوا مَنْهِيَّاتِهِ، وَتَقِفُوا عندَ حُدُودِهِ، وَتَحَبَّبُوا إليهِ بِمَا يُوجِبُ حُبَّهُ وَيُبْعِدُ عَنْ غَضَبِهِ، بِتَرْكِ مَا يُوجِبُهُ.

(( إِخْوَانًا ) )وَلْيُعَامِلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا مُعَامَلَةَ الأُخُوَّةِ الصَّادِقَةِ بأَنْ يُرِيدَ لَهُ مِنَ الخيرِ مَا يُرِيدُ لِنَفْسِهِ، وَيَكْرَهَ لَهُ مِنَ السُّوءِ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ، وَلَا يَكُونُ الإنسَانُ هَكَذَا إلَّا إذَا ذَهَبَتْ عَنْهُ النَّفْسَانِيَّةُ، وَغَلَبَ عليهِ النِّسْبَةُ الرَّبَّانِيَّةُ.

(( الْمُسْلِمُ: أَخُو الْمُسْلِمِ ) )بِأُخُوَّةِ الْإِسْلَامِ، وَمُرَاعَاتُهَا أَوْكَدُ من أُخُوَّةِ الْأَنْسَابِ، (( لَا يَظْلِمُهُ ) )بِنَفْسِهِ بِوَجْهٍ مَا، (( وَلَا يَخْذُلُهُ ) )أَيْ: لا يَتْرُكُ نَصْرَهُ إِنْ رَآهُ مَظْلُومًا، (( وَلَا يَكْذِبُهُ ) )مِنَ التَّكْذِيبِ، أَيْ: لا يَنْسِبُهُ إلى الكَذِبِ، إذا صَدَقَ فِي كَلَامِهِ.

أَوْ مِنَ الْكَذِبِ: أَيْ: لا يَتَكَلَّمُ مَعَهُ بَكَذِبٍ.

(( وَلَا يَحْقِرُهُ ) )وَلَا يُعَظِّمُ نَفْسَهُ عَلَيهِ.

أَصلُ (( التَّقْوَى ) )الذي يُوجِبُ الْكَرَامَةَ عندَ اللَّهِ تَعَالى على قَدْرِ مَرَاتِبِهِ، كائِنًا

(( هَا هُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ) ).

(( بِحَسْبِ امْرِئٍ ) )أَيْ: يَكْفِيهِ (( مِنَ الشَّرِّ ) )إنْ كَانَ طَالِبَهُ، (( أَنْ يَحْقِرَ ) )تَحْقِيرُهُ (( أَخَاهُ المُسْلِمَ ) )، قالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجُرَات: 13] وَالتَّقْوَى أَمْرٌ مُبَطَّنٌ، لَا يَطَّلِعُ عليهِ كَمَا يَنْبَغِي، إلَّا اللَّهُ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، فَكَمْ مِنْ دَنِيٍّ في الظَّاهِرِ عِندَ اللَّهِ مِنَ المُكْرَمِينَ، وكَمْ مِنْ عَلِيٍّ عِنْدَ النَّاسِ وعِنْدَ اللَّهِ منَ المُهَانِينَ.

فَيَنْبَغِي للعاقلِ أَنْ لا يَحْقِرَ عَبِيدَ رَبِّهِ، بَلْ يَرَى نَفْسَهُ أَحْقَرَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، فإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَحْقَرَ مِنْ أَهلِ البِدَعِ والعِصْيَانِ والكُفْرَانِ، مَعَ أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُ بالسُّنَّةِ والطَّاعَةِ والإيمانِ، وَأَهَانَهُمْ بِأَضْدَادِهَا؟ قُلْتُ: يُحْتَمَلُ أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ المُبْتَدِعَ سُنِّيًّا، وَالْعَاصِيَ مُطِيعًا، والكَافِرَ مُسْلِمًا، وَيَرْزُقُهُم حُسْنَ الخَاتِمَةِ، وَيَرْزُقُ هذَا سُوءَ الخَاتِمَةِ، وَيَقْلِبُهُ مِنَ الخيرِ إلى الضُّرِّ؛ لأنَّ المُلْكَ مُلْكُهُ، وَالْخَلْقَ خَلْقُهُ، والقُلوبَ في يَدِهِ، والأمرَ إليهِ. ألَا تَرَى كَيْفَ تَرَدَّى إِبْلِيسُ مِنْ أهلِ الْعِلِّيِّينَ وَجَعَلَهُ أَسْفَلَ السَّافِلِينَ؟

(( كُلُّ الْمُسْلِمِ ) )أَيْ: المُسْلِمُ بِجَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بهِ (( عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ ) )قَتْلُهُ مِنْ غَيرِ حَقٍّ شَرْعِيٍّ حَرَامٌ عليهِ، (( وَ ) )أَخْذُ (( مَالُهُ ) )بِغَيْرِ الحَقِّ، حَرَامٌ عليهِ (( وَ ) )التَّكَلُّمُ في (( عِرْضِهِ ) )مِنْ غَيْرِ مُجَوِّزٍ شَرْعِيٍّ حَرَامٌ عليهِ.

[وَ] قدْ تَرَكَ غَالِبُ الخَلْقِ العَمَلَ بِهِ، فكَمْ مِنْ أَنْفُسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا، وَأَمْوَالٍ تُؤْخَذُ طُغْيَانًا وَغَصْبًا، وَأَعْرَاضٍ تُهْتَكُ عُدْوَانًا. وَاللَّهُ الحَافِظُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت