كَائِنًا مَنْ كانَ وَيَجْتَهِدُ في إبطالِ المُنْكَرِ اجْتِهَادًا يَقْدِرُ عليهِ، ولا يُهَوِّنُ على المُحِبِّ الصادِقِ مخالفةَ حُكْمِ مَحْبُوبِهِ، وَلَا يَصْبِرُ على رُؤْيَتِهِ، وَلَا يُحِبُّ أَهْلَهُ [أَي: المُنْكَرِ] ، وهذا مَقامٌ وَعِرٌ، وَلَا يَفُوزُ بهِ إلَّا قومٌ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ وَيُحِبُّونَهُ، ولا يَخَافُونَ في اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، مِنْهُم عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عنهُ.
وفي زَمَانِنَا هذا ذَهَبَت الغَيْرَةُ لِلَّهِ مِنْ قُلُوبِ العِبَادِ، وَصَارَ المُنْكَرُ مَعْرُوفًا والمعروفُ مُنْكَرًا، مَنْ كانَ بَاكِيًا فَلْيَبْكِ عَلى هذهِ المُصِيبَةِ.
الحديثُ الخامسُ والثلاثونَ
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَكْذِبُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا - وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ ) ). رَوَاهُ مسلمٌ (1) .
(1) ترجَمَةُ الصَّحَابِيِّ رَاوِي الحَديثِ: تقدَّمَتْ في الحديثِ التَّاسِعِ.
الشَّرحُ:
(عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنْهُ قالَ: قَالَ رسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(( لَا تَحَاسَدُوا ) ): وَلَا يَتَمَنَّ بَعْضُكُمْ زَوَالَ نِعْمَةِ بَعْضٍ؛ لأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الاعْتِرَاضَ عَلى اللَّهِ فِيمَا قَسَمَ بِحِكْمَتِهِ وَقَضَى، وَيُثِيرُ العَدَاوَةَ والغِيبَةَ والنَّمِيمَةَ، وَيُوقِعُ صَاحِبَهُ في الهَمِّ والغَمِّ، فالحاسِدُ مُعَذَّبٌ بِحَسَدِهِ، وَالْمَحْسُودُ مُنَعَّمٌ بِنِعْمَةِ رَبِّهِ.