الحديثُ السادسُ والثلاثونَ
عَن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، عنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِم السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ) )رَوَاهُ مُسْلِمٌ (1) .
(1) (عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ) : (( مَنْ نَفَّسَ ) )مَنْ أَزالَ بطريقٍ مُبَاحٍ (( عَنْ مُؤْمِنٍ ) )وكَذَا مُؤْمِنَةٌ (( كُرْبَةً ) ): شِدَّةً يَنْبَغِي إِزَالَتُهَا عَنْهُ، (( مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا ) )وَكُرَبُهَا أَصْغَرُ وَأَحْقَرُ بالنِّسْبَةِ إلى كُرَبِ الآخرةِ، (( نَفَّسَ ) )أَزَالَ اللَّهُ عَنْهُ (( كُرْبَةً ) )عَظِيمَةً (( مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) )، إنَّه أَمْرٌ جَزَاؤُهُ التَّنْفِيسُ بالتَّنْفِيسِ جَزَاءً وِفَاقًا.
(( وَمَنْ يَسَّرَ ) )سَهَّلَ (( عَلى مُعْسِرٍ ) )بكلِّ وجهٍ مُبَاحٍ أَمْكَنَ (( يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ) )
(( [و] مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا ) )عَيْبَهُ الذي يَنْبَغِي، أَوْ عَوْرَتَهُ أَوْ بَدَنَهُ (( سَتَرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرةِ ) ).
(( واللَّهُ ) )القادرُ على كُلِّ شيءٍ (( في عَوْنِ ) ): إعانةِ العبدِ (( مَا كانَ ) )مُدَّةَ كَوْنِ (( العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ ) )في الإسلامِ، فَكُونُوا في عَوْنِ إِخْوَانِكُمْ لِيَكُونَ اللَّهُ في عَوْنِكُمْ، وَعَونُهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ، ومَنْ كانَ في عَوْنِهِ مَوْلَاهُ، كَفَاهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ.
(( وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ ) ): يَطْلُبُ فيهِ (( عِلْمًا ) )شَرْعِيًّا، لِيَنْفَعَ بِهِ نَفْسَهُ وعِبَادَ اللَّهِ تَعالَى (( سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَريقًا إلى الجَنَّةِ ) )يومَ القيامةِ، فَيَدْخُلُهَا بِالسُّهُولَةِ، أو أَرْشَدَهُ في الدُّنْيَا إلى سبيلِ الهدايةِ والطَّاعةِ، المُوصِلَتَيْنِ إلى الجنَّةِ.
(( وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ ) )مُسْلِمُونَ مُخْلِصُونَ، (( في بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ ) )كالمَسَاجِدِ، والمَدَارِسِ وَالرُّبُطِ وَنَحْوِهَا، (( يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ ) )الجليلِ حَقَّ تِلَاوَتِهِ تَقَرُّبًا إليهِ، (( وَيَتَدَارَسُونَهُ ) )وَيَتَذَاكَرُونَ عُلُومَهُ أَوْ يَقْرَأُونَهُ بالمُنَاوَبَةِ (( بيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ ) )مَخْلُوقٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ، يَنْزِلُ عَلَى الذَّاكِرِينَ، يَحْصُلُ بِهِ فِي قُلُوبِهِم السُّكُونُ وَالاطْمِئْنَانُ والحُضُورُ، (( وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ ) )الرَّبَّانِيَّةُ، (( وَحَفَّتْهُمْ ) )أَحَاطَتْ بِهِمُ (( الْمَلَائِكَةُ ) )المُكَرَّمُونَ تَعْظِيمًا، وَنِعْمَ الْإِحَاطَةُ إِحَاطَتُهُم، (( وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ ) )الجَلِيلُ (( فِيمَنْ عِنْدَهُ ) )مِنَ الملائِكَةِ الكِرَامِ، بِأَحْسَنِ المَحَامِدِ، ونِعْمَ الذَاكِرُ وَنِعْمَ المَذْكُورُ، وَلَوْ لَم يَكنْ لِلذَّاكِرينَ جَزَاءٌ إلَّا هذَا لَكَفَاهُم شَرَفًا، وكيفَ ولهُمْ مَا تَقَرُّ بِهِ العيونُ.
(( ومنِ بَطَّأَ ) ): قَصَّرَ (( بِهِ عَمَلُهُ ) )فتساهَلَ عَنِ الحسنَاتِ، وانهمَكَ في السَّيئاتِ عَن الوصولِ إلى الدرجاتِ التي لا تُنَالُ إلَّا بالأعمالِ (( لمْ يُسْرِعْ بِهِ ) )ويوصِلْهُ (( نَسَبُهُ ) )الجليلُ إليها؛ لأَنَّها مراتبُ لا تُحَصَّلُ بالأسبابِ، وإنَّما تُنَالُ باجتهادٍ في طَاعةِ [ربِّ] الأربابِ، والعاقلُ مَنْ سابقَ إليهَا بالأعمالِ، والأحمقُ مَنْ أرادَ وصُولَهُ بمجردِ الآمالِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ} [سورة الزخرفِ: 72] .
الحديثُ السابعُ والثلاثونَ
عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى قالَ: (( إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ , فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا