الصفحة 35 من 44

فَمَنْ رَامَ تَحْصِيلَ حُبِّهِ تَعَالَى؛ وَلَمْ يُخْرِجْ حُبَّ الدُّنْيَا مِنْ قَلْبِهِ، ولم يُنْزِلْهَا مَنْزِلَهَا، وَلَمْ يَحْتَقِرْهَا فَقَدْ رَامَ المُحَالَ، وَكَيْفَ يُحِبُّ الرَّبُّ الجَلِيلُ عَبْدًا مُتَنَجِّسًا بِنَجَاسَةِ مَا لَعَنَهُ وَأَبْغَضَهُ؟ {بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} [سورة القيامة: 14 - 15] . وكلُّ مَا شَغَلَكَ عَنْ مَوْلَاكَ فَهُوَ دُنْيَاكَ.

(( وَازْهَدْ ) )بِقَلْبِكَ وَقَالِبِكَ (( فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ ) )الذينَ جُبِلُوا على حُبِّ الدُّنْيَا حُبًّا شَدِيدًا، والبُخْلِ بمَا عِنْدَهمُ، وكراهَةِ السُّؤالِ مِمَّا في أَيْدِيهِم (( يُحِبَّكَ النَّاسُ ) )؛ لأنَّ مَنْ زَهِدَ في مَحْبُوبِهِم وَتَرَكَهُ لَهُمْ، وَأَعْرَضَ عَنْهُ إِعْرَاضًا صَادِقًا أَحَبُّوهُ، وَبَذَلُوا لَهُ مَا عِنْدَهُم، وَمَنْ طَمِعَ في مَحْبُوبِهم أَبْغَضُوهُ وَأَذَلُّوهُ، ولم يُعْطُوهُ مِمَّا في أَيْدِيهِم إلَّا كُرْهًا.

فالفائزُ مَن فازَ بالزُّهْدِ في الدنيا الدَّنِيَّةِ. اللُّهُمَّ أَخْرِجْ حُبَّهَا مِنْ قُلُوبِنَا، قالَ الإمامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ:

وَما هِيَ إِلَّا جِيفَةٌ مُسْتَحِيلَةٌ عَلَيْهَا كِلَابٌ هَمُّهُنَّ اجْتِذَابُهَا

فَإِنْ تَجْتَنِبْهَا كُنْتَ سَلْمًا لِأَهْلِهَا وَإِنْ تَجْتَذِبْهَا نَازَعَتْكَ كِلَابُهَا

الحديثُ الثاني والثلاثونَ

عَنْ أَبي سَعيدٍ سعيدِ بنِ سِنَانٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عنْهُ أنَّ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ) ). حديثٌ حسَنٌ، رَوَاهُ ابنُ مَاجَةَ والدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُما مُسْنَدًا، وَرَوَاهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ مُرْسلًا عَنْ عَمْرِو بنِ يَحْيَى، عَنْ أبيهِ، عَنِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَسْقَطَ أَبَا سَعِيدٍ، ولَهُ طُرُقٌ يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا (1) .

(1) ترجمةُ الصَّحابيِّ راوِي الحديثِ:

[أبُو سعيدٍ] سَعْدُ بنُ مالكِ بنِ سِنَانٍ الخُدْرِيُّ الأنْصَارِيُّ الخَزْرَجِيُّ، هُوَ مِنْ أَفْقَهِ الصَّحَابَةِ، وَأَعْلَمِهِمْ بالحديثِ، مَاتَ بالمدينةِ يومَ الجُمُعَةِ سَنَةَ أربعٍ وَسِتِّينَ وَدُفِنَ بالبَقِيعِ.

الشَّرحُ:

عَنْ أبي سعيدٍ (أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ) : (( لَا ضَرَرَ ) )أَيْ: لا يَجُوزُ لِلْمُكَلَّفِ أَنْ يَضُرَّ شَيْئًا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، لَا قَوْلًا ولا عَمَلًا، ولا بِغَيرِ ذلكَ؛ لأَنَّ مَنْ ضَرَّ ضُرَّ.

(( وَلَا ضِرَارَ ) ): ولا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَابِلَ بالضَّرَرِ مَنْ ضَرَّهُ؛ لِأَنَّ مُقَابَلَةَ الضُّرِّ بِالضُّرِّ يُنَافِي الكَمَالَ، [بَلْ] يَجِبُ العَفْوُ وَالمُسَامَحَةُ. وَمُقَابَلَةُ الضُّرِّ بِمِثْلِهِ في بَعْضِ المَوَاضِعِ حَرَامٌ، وفي بَعْضِهَا مُبَاحٌ.

الحديثُ الثالثُ والثلاثونَ

عَن ابنِ عَبَّاسٍ رضيَ اللَّهُ عَنْهُما، أنَّ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى رِجَالٌ أَمْوالَ قَوْمٍ وَدِمَاءَهُمْ، لَكِنِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ) )حديثٌ حسنٌ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ هكذا، وَبَعْضُهُ في الصَّحِيحَيْنِ (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت