الشَّرحُ:
[عَن أبي ثَعْلَبَةَ] (عَنْ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ) : (( إِنَّ اللَّهَ ) )العَلِيمَ الحَكِيمَ (( فَرَضَ ) ): أَوْجَبَ (( فَرَائِضَ ) )في الأموالِ والأَبْدَانِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بهِ , منهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِخَلْقِهِ (( فَلَا تُضَيِّعُوهَا ) )بلْ أَدُّوْهَا كَمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى؛ لأَنَّ الآمِرَ جَلِيلٌ جَبَّارٌ يَلْزَمُ طَاعَتُهُ، حَكِيمٌ لَمْ يَفْرِضْ إلَّا لِحِكَمٍ وَفَوَائِدَ، فَأْتُوهَا لِتَفُوزُوا بِثَوَابِهَا.
(( وَحَدَّ ) )في الفَرائِضِ وَغَيْرِها (( حُدُودًا ) ): مَقَادِيرَ مُعَيَّنَةً، (( فَلَا تَعْتَدُوهَا ) )؛ لأَنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ، بَلْ قِفُوا عِنْدَهَا؛ إذْ وَظِيفةُ العَبِيدِ الوُقُوفُ عندَ حُدودِ المَلِكِ المَجِيدِ، وليسَ لَهُم التَّجَاوُزُ؛ لِأنَّهُ يُنَافِي العُبُودِيَّةَ.
(( وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا ) )فَلَا تَرْتَكِبُوهَا؛ لأنَّ المُحَرِّمِ رَبٌّ قَهَّارٌ يَجِبُ تَرْكُ مَا حَرَّمَ، حَكِيمٌ لا يُحَرِّمُ إِلَّا ما فيهِ مَضَارُّ وَمَفَاسِدُ، فَقُوا أَنْفُسَكُمْ عَنْهَا؛ كَيْلَا تُبْتَلَوْا بِوَبَالِهَا؛ فَإِنَّ وَبَالَهَا شَدِيدٌ.
(( وَسَكَتَ عَنْ ) )تَحْرِيمِ (( أَشْيَاءَ ) )أَوْ بَيَانِ أَحْكَامِهَا، (( رَحْمَةً لَكُمْ ) )؛ لأنَّ في ذَلِكَ تَخْفِيفًا عَلَيْكُمْ، (( غَيْرَ نِسْيَانٍ ) )لَهَا، فإنَّهُ مُنَزَّهٌ عنْهُ، (( فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا ) )، ولا تَسْأَلُوا حُكْمَهَا، بلِ اتْرُكُوهَا على ما كانَ؛ لأنَّ في البَحْثِ سُوءَ أَدَبٍ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، وَسَبَبًا لَجَرِّ شِدَّةٍ، وَلَيْسَتْ وَظِيفَةُ العِبَادِ إلَّا المَشْيَ على مُقْتَضَى حُكْمِ إِلَهِ البِلَادِ.
الحديثُ الحادي والثلاثونَ
عَن أَبي العَبَّاسِ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللَّهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ، فَقَالَ: (( ازْهَدْ في الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ ) ). حَدِيثٌ حسنٌ، رَوَاهُ ابنُ مَاجَةَ وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ (1) .
(1) تَرْجَمَةُ الصَّحَابِيِّ رَاوِي الحديثِ:
سَهْلُ بنُ سَعْدِ بنِ مالِكِ بنِ خالدٍ الأَنْصَارِيُّ الخَزْرَجِيُّ السَّاعِدِيُّ، [لَهُ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ، وكانَ اسْمُهُ حَزْنًا فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَهْلًا] ، مَاتَ بالمدنيةِ سنةَ ثمانٍ وثمانينَ، [وَقِيلَ بَعْدَهَا، وقَدْ جَاوَزَ المائَةَ، وهُوَ آخِرُ الصَّحَابةِ وَفَاةً في المدينةِ] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الشَّرحُ:
(عَنْ أبي العَبَّاسِ سَهْلِ بنِ سَعدٍ السَّاعِدِيِّ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالَ: يَا رسولَ اللَّهِ دُلَّنِي على عَمَلٍ) جليلِ المقْدَارِ (إذا عَمِلْتُهُ) وَأَخَذْتُ بهِ (أَحَبَّنِي اللَّهُ) تَعَالَى، وَحُبُّهُ العَبْدَ هُوَ الفَوزُ الكَبيرُ. (وَأَحَبَّنِي الناسُ) وَحُبُّهُمُ لِلَّهِ مِنْ أَجَلِّ المَقَاصِدِ لِمَا يَتَرَتَّبُ علَيْهِ مِنَ الفوائدِ.
(فقَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( ازْهَدْ ) ). كُنْ زَاهِدًا (( في الدُّنْيَا ) )بِقَلْبِكَ، ولَا تَأْخُذْ مِنْهَا إلَّا قَدْرَ الضَّرُورَةِ، وَأَنْزِلْهَا في فُؤَادِكَ مَنْزِلَهَا الذي جَعَلَهُ رَبُّها لَهَا، وهيَ أَنَّها مَبْغُوضَةٌ عِنْدَهُ مَلْعُونَةٌ لَدَيْهِ، لا تَعْدِلُ عِنْدَهُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، ولذَا جَعَلَهَا سِجْنًا لِأَحْبَابِهِ، وَجَنَّةً لِأَعْدَائِهِ، (( يُحِبَّكَ اللَّهُ ) ).