(( إِلَّا نَفْسَهُ ) )الْأَمَّارَةَ بالسوءِ؛ لأنَّ الجليلَ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَظِيفَةُ العبْدِ أَنْ يَنْسِبَ الخيرَ إلى سَيِّدِهِ، والسوءَ إلَى نَفْسِهِ تَأَدُّبًا مَعَهُ وإنْ كَانَ هُوَ الذي قَدَّرَ السُّوءَ وَأَرَادَهُ.
وهذَا الحديثُ مِنْ أَجَلِّ الأحاديثِ، يَنْبَغِي حِفْظُهُ، وَالتَّأَمُّلُ فيهِ حقَّ التَّأَمُّلِ؛ فَإِنَّ فيهِ منَ الفوائِدِ مَا لَا تُحْصَرُ.
الحديثُ الخامسُ والعشرونَ
عَنْ أَبي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أيْضًا: (( أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ. قَالَ: (( أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَدَّقُونَ: إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ ) ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: (( أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ ) ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (1) .
(1) تَرْجَمَةُ الصَّحَابِيِّ: سَبَقَتْ في الحديْثِ الثَّامِنَ عَشَرَ.
الشَّرْحُ:
عَنْ أبي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (أَنَّ أُنَاسًا مِنْ أَصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الذينَ كانُوا أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى الخيرِ، (قَالُوا) مُتَنَافِسِينَ، غيرَ مُتَحَاسِدِينَ (للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسولَ اللَّهِ، ذَهَبَ أهْلُ) : أَصْحَابُ، (الدُّثُورِ) : الأَمْوالِ، (بالأُجُورِ) الكَامِلَةِ، ولَمْ نَحْصُلْ إلَّا على الأَدْنَى مِنْهَا، (يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ) ، أَيْ: يَأْتُونَ العِبَادَاتِ البَدَنِيَّةَ، كَمَا نَأْتِيهَا فَاسْتَوَيْنَا في أُجُورِهَا، (وَيَتَصَدَّقُونَ) في مَرْضَاتِ اللَّهِ تَعَالَى (بِفُضُولِ أَمْوَالِهِم) : بِمَا فَضَلَ مِنْهَا، وَيَسْتَزِيدُونَ بِذلِكَ أُجُورًا عَلَيْنَا، وَنَحْنُ نُرِيدُ أنْ نُسَاوِيَهُمِ في ذَلِكَ.
(( فقالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [أوَ لَيْسَ] قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَدَّقُونَ بِهِ؟ ) )أَيْ: قَدْ جَعَلَ لَكُمْ مَا تُحَصِّلُونَ بِهِ ثوابَ الصَّدَقَةِ، فإذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ سَاوَيْتُمُوهُم في الأُجُورِ:
(( إِنَّ لَكُمْ بِكُلِّ تَسْبيحَةٍ ) )أَيْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، (( صَدَقَةً ) ): ثَوَابًا يَقُومُ مَقَامَ الصَّدَقَةِ، (( ولَكُمْ في كُلِّ تَكْبيرَةٍ ) )تُكَبِّرُوْنَ اللَّهَ بِهَا (( صدقةً، وكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وكُلِّ تَهْلِيلَةٍ ) )أي: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ. (( صَدَقَةً ) )تَصَدَّقُونَ بِهَا عَلى أَنْفُسِكُمْ (( وَأَمْرٌ بالمَعْرُوفِ ) )الشَّرْعِيِّ، عِنْدَ تَرْكِهِ أَو خَوْفِ تَرْكِهِ (( صَدَقَةٌ ) )تَصَدَّقُونَ بِهَا على المَأْمُورِ، (( وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ ) )شَرْعًا عِنْدَ ارْتِكَابِهِ أوْ خَوْفِ ارْتِكَابِهِ (( صَدَقةٌ ) )تَصَدَّقُونَ بِهَا على مَنْ تُنْكِرُونَ عَلَيْهِ، حَيْثُ تَمْنَعُونَهُ عَنِ السُّوءِ؛ لِئَلَّا يُبْتَلَى بِبَلَائِهِ.
(( وَفِي بُضْعِ ) ): جِمَاعِ أَحَدِكُمْ زَوْجَتَهُ وَجَارِيَتَهُ بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ (( صَدَقَةٌ ) )، فإذَا فَعَلْتُمْ مَا تَقَدَّمَ، سَاوَيْتُمْ أَهْلَ الدُّثُورِ فِي الأجُورِ.
(قَالُوا) تَعَجُّبًا: (يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيَأْتِي) أَيَقْضِي أَحَدُنَا (شَهْوَتَهُ) منْ زوجَتِهِ وَجَارِيَتِهِ، (ويَكُونُ لَهُ فيها) في قَضَائِهَا (أَجْرٌ؟ قالَ) إِزَالةً لِتَعَجُّبِهِم وَتَقْرِيبًا لأَفْهَامِهِم: (( أَرَأَيْتُمْ ) )أَخْبِرُونِي (( لَوْ وَضَعَهَا في الحَرامِ ) )أَيْ: لَوْ قَضَى شَهْوَتَهُ مِنَ الحرَامِ بالزِّنَا واللِّوَاطَةِ