الصفحة 27 من 44

(( فَاسْتَهْدُونِي ) )فَاطْلُبُوا مِنِّيَ الهُدَى (( أَهْدِكُمْ ) )، ولَا مُضِلَّ لِمَنْ هَدَيْتُهُ، (( وَكُلُّكُمْ جَائِعٌ ) )إذْ لا تَقْدِرُونَ على مَا تَدْفَعُونَ بِهِ الجوعَ، مَعَ أنَّكُمْ مَجْبُولُونَ عَلَيْهِ، (( إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ ) )لِأَنِّي أَنَا القَادِرُ على ذَلِكَ، (( فَاسْتَطْعِمُونِي ) )فَاطْلُبُوا مِنِّيَ الطَّعَامَ (( أُطْعِمْكُمْ ) )وَلَا تَطْلُبُوهُ مِنْ غَيْرِي؛ فَإِنَّ الغَنِيَّ الجَوَادَ لا يَرْضَى أَنْ يَسْأَلَ عَبِيدُهُ غَيْرَهُ.

(( يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ ) )لا تَمْلِكُونَ مَا تَكْتَسُونَ بهِ (( إلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ ) )فإنِّي أَنَا المَلِكُ القَادِرُ (( فَاسْتَكْسُونِي ) )فَاطْلُبُوا مِنِّي الكُسْوَةَ (( أَكْسُكُمْ ) )وَلَا تَطْلُبُوا مِنْ غَيْرِي.

ومِنْ قِلَّةِ حَيَاءِ العَبْدِ [وَقِلَّةِ] عَقْلِهِ أَنْ يَتْرُكَ السُّؤالَ مِن السَّيِّدِ الغَنِيِّ الجَوَادِ، الَّذِي يُحِبُّ السُّؤَالَ عَمَّا عِنْدَهُ وَيَرْغَبُ فِيهِ وَيُعْطِي السَّائِلَ، وَيَسْأَلُ مِنَ العَبْدِ الفَقِيرِ البَخِيلِ، الذي يَكْرَهُ السُّؤَالَ عَمَّا عِنْدَهُ، ولَا يُعْطِي إِنْ أَعْطَى إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ.

(( يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ ) )على قَدْرِ مَرَاتِبِكُمْ (( بِاللَّيْلِ والنَّهارِ ) )، وذلِكَ أَنَّ شُكْرَ نِعْمَتِهِ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَرَ، وَفَضْلٌ أَنْ تَشْكُرُوهُ، وَتَرْكُ الشُّكْرِ خَطِيئَةٌ، (( وَأَنَا أَغْفِرُ الذَّنُوبَ جَمِيعًا ) )ولَا أُبَالِي؛ لأَنِّي وَاسِعُ الكَرَمِ وَالْعَفْوِ، ولَا أَتَضَرَّرُ بالمَعْصِيَةِ.

(( فاسْتَغْفِرُونِي ) )فَاطْلُبُوا مِنِّي المَغْفِرَةَ (( أَغْفِرْ لَكُمْ ) ).

والحاصِلُ أَنَّ العبْدَ مُحْتَاجٌ عَاجِزٌ مُخْطِئٌ، وَالرَّبَّ غَنِيٌّ قَادِرٌ جَوَادٌ غَافِرٌ فَيَنْبَغِي للعَبدِ الرُّجُوعُ إليهِ، لَا إلى غَيرِهِ، فَمَا أَكْرَمَ هذَا الكريمَ، يُنَادِي المُحْتَاجِينَ لِيُنْعِمَ عليهِمْ، والفَارِّينَ عَنْهُ بالذُّنوبِ لِيَتُوبُوا فَيَتُوبَ عَلَيْهِم، فيَا وَيْلَ عَبِيدٍ لَمْ يَعْرِفُوا قَدْرَ هذَا الكَريمِ.

(( يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي ) )؛ لِأَنَّكُمْ عَجَزْتُمْ، لا تَقْدِرُونَ عَلى شَيءٍ مَا، وَأَنَا لَا أَتَضَرَّرُ بِشَيءٍ مَا؛ لِأَنَّ شَأْنِي أَجَلُّ مِنْ ذلِكَ وَأَكْبرُ، (( وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي ) )؛ لِأَنَّكُمْ عَاجِزُونَ، وأَنَا لَا أَحْتَاجُ إلى شيءٍ، وَلَا أَنْتَفِعُ بِهِ، إِذْ أَمْرِي أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ وأَعَظَمُ، سُبْحَانَهُ مَا أَعْظَمَ شَأْنَهُ.

(( يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ ) )كمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( مَا زَادَ ) )كَوْنُكُمْ كَذَلِكَ (( فِي ) )كَمَالِ (( مُلْكِي شَيْئًا ) )مَا؛ لِأَنَّ الكمَالَ ذَاتِيٌّ أَبَدِيٌّ، لَا يَحْتَاجُ إلى الزِّيادَةِ ولَا يَقْبَلُهَا، بَلْ مِنْ كَمَالِهِ يَنْشَأُ كَوْنُكُمِ عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُم.

(( يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا ) )؛ لأَنَّ الكمَالَ ذَاتِيٌّ لا يَنْقُصُ بِكَوْنِكُمْ كَذِلكَ.

(( يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُم وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا فِي صَعِيدٍ ) ): مَكَانٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي مَا يُرِيدُونَ، (( فَأَعْطَيْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَسْأَلَتَهُ ) ): مَا يَسْأَلُهُ، (( مَا نَقَصَ ذَلِكَ ) )الإعطاءُ (( مِمَّا ) )مِنَ الخَزَائِنِ الَّتِي (( عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ المِخْيَطُ ) )كَالمِئْبَرِ، إِذَا (( أُدْخِلَ الْبَحْرَ ) )وهذا تَمْثِيلٌ وَتَقْرِيبٌ للأَفْهَامِ، وَإِلَّا فَخَزَائِنُ اللَّهِ لَا تَنْقُصُ نَقْصًا مَا، وَالْبَحْرُ يَنْقُصُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا يَلْتَصِقُ بالإِبْرَةِ مِنَ الماءِ إِنْ لَصَقَ، كَيفَ [وَ] خَزَائِنُهُ في قولِهِ كُنْ.

(( إِنَّمَا هِيَ ) )أَيِ: الأمُورُ التي تُجْزَوْنَ بِهَا (( أَعْمَالُكُم ) )الاخْتِيَارِيَّةُ الصَّادِرَةُ بعدَ التَّكْلِيفِ , المُتَعَلِّقُ بِهَا التَّكْلِيفُ، (( أُحْصِيهَا ) )أَضْبِطُهَا (( لَكُمْ ) )بِعِلْمِي وَمَلَائِكَتِي الْحَفَظَةِ، (( ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا ) )أَيْ: أُعْطِيكُمْ جَزَاءَهَا يومَ القِيَامةِ وَافِيًا مِنْ غيرِ نُقصَانٍ في الخَيْراتِ، ولَا زِيَادةٍ في السَّيِّئَاتِ.

(( فَمَنْ وَجَدَ ) )في أَعمالِهِ (( خَيْرًا ) )وَوُفِّقَ لَهُ (( فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ ) )الذي قَدَّرَ لَهُ ذَلِكَ وَأَرَادَهُ وَسَهَّلَهُ لَهُ، وجَعَلَهُ سَبَبًا لِلثَوابِ، ولَا يَحْمَدُ نَفْسَهُ، فإنَّهَا أَحْقَرُ مِنْ أنْ تَقْدِرَ عَلى شيءٍ، (( وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذلِكَ ) )أَي: الشَّرَّ وَالسُّوءَ (( فَلَا يَلُومَنَّ ) )على حُصُولِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت